الاثنين، 15 أغسطس 2011

خذ الموعظة ولو من عابر سبيل

خذ الموعظة ولو من عابر سبيل
حين سألت مرافقي الكويتي ونحن خارجون من المطار عن الاستعدادات لمسابقة الصم لحفظ القرآن الكريم، أخذ يتكلّم بإعجاب عن شيخ ضرير عجيب.

في اليومين التاليين، على مائدتي الإفطار والسحور، كان الشيخ الضرير من نجوم الجلسات، حيث يتحلق حوله العديدون، وكنت أرقب المشهد أمامي وأغوص في التأملات.

لم يكن يسمع، ولم يكن يتكلم، وحين بلغ الثامنة عشرة من عمره، كفّ بصره، فتعطلت عنده ثلاثٌ من خمس حواس.

في برنامج ليلة الختام، كان سيلقي كلمةً للجمهور، وحين صعد المنصة طلب إحضار نسخةٍ من القرآن الكريم. من الصعب أن تجد نسخةً في فندق خمس نجوم. بحثوا فوجدوا نسخةً صغيرةً فناولوها إياه. رفع المصحف للأعلى وفتحه كأنما يشير به إلى الجمهور.

كان مترجم لغة الإشارة يقدّمه للجمهور القادم من عدة دول عربية، فهو لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، ومع ذلك يحافظ على حضور الجمعة والجماعة، ويذهب من بيته إلى المسجد مشياً. وبدأ الحديث بالقول: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه. أنا فايز بن صالح الثبيتي، من السعودية، لا أرى ولا أسمع ولا أتكلم. أتواصل فقط عبر اللمس مع العالم الخارجي». (نشرت صورته أمس في رمضانيات «الوسط»).

وأشار إلى أن الصم المشاركين في مسابقة القرآن الكريم أسعد حظاً منه، لأنهم استطاعوا حفظ جزء من القرآن، بينما هو عاجزٌ حتى عن تصفحه أو النظر فيه. وقال: «احمدوا نعمة ربكم عليكم، فأنتم قادرون على قراءة القرآن، وأنا لا أستطيع غير حمله وتقبيله ووضعه على صدري. احمدوا ربكم على نعمة السمع والبصر، فأنا محروم منهما. وأنا أعجب من أناس يتركون المصاحف في المساجد يعلوها الغبار، ويتفرغون لمتابعة الفضائيات، وهناك من لا يذهبون إلى المساجد».

وانتقل ليحكي جانباً من حياته للحضور فقال: «عندي خمسة أطفال. لم أشاهدهم قط، ولم أسمع صوتهم، ولا أعرف كيف تكون صورتهم، فقط يمكنني أن ألمسهم وأشمهم، ولا أميّز بينهم إلا عن طريق اللمس».

لاحظت خلال هذين اليومين أنه كان يتعرف على محدّثيه عن طريق لمس رؤوسهم ووجوههم ليميز بعض سماتهم كطول اللحية أو نوع اللباس كالغترة والعقال. وعندما كنت أحدثه كان يلمس وجهي ثم يميل إلى لباسي، وهو مؤشرٌ يمكن أن يتغيّر بطبيعة الحال.

كان لديه كلام يريد أن يوصله للحضور، ولذلك صعد المنصة. يقول واعظاً: «النعم موجودةٌ لديكم، احمدوا ربكم على هذه النعم. اشكروا ربكم على نعمة الأطفال الذين ترونهم وتسمعون أصواتهم وتكلمونهم. اقرأوا القرآن الكريم فهو بين أيديكم ولا تهجروه، ففي قراءته أجرٌ عظيم. هذا كلام الله وهو نبراسٌ لكم في حياتكم. وهذه نصيحةٌ من رجل فقد السمع والبصر والنطق».

رجلٌ ضريرٌ لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم، تلقاه صدفةً في زحمة الحياة، فخذ الموعظة ولو من عابر سبيل




قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3264 - الإثنين 15 أغسطس 2011م الموافق 15 رمضان 1432هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق