الدم السوري الحرام
حقوق الإنسان منظومةٌ لا تتجزأ، واحترام البشر واجبٌ تفرضه الشرائع الأرضية والسماوية على السواء، سواء في مصر أو تونس أو سورية أو أية دولة مغاربية أو خليجية.
ما يجري في سورية لا يختلف عمّا يجري في دولٍ عربيةٍ أخرى منذ انطلقت أحداث الربيع العربي، ونزل شباب الأمة إلى الميادين العامة يطلبون تغيير واقعهم إلى الأفضل بعد أن سدت الأنظمة في وجوههم سبل التغيير.
كتبت كثيراً عن إفلاس النظام الرسمي العربي، وضعفه وتآكله، حتى سلّم مقاليده للسياسة الإسرائيلية، وآخره ما تم من في حربي تموز وغزة، اللتين شارك فيها وباركها البعض.
انتفاضة الشعوب العربية تأتي في سياق الاحتجاج العام على السياسات الخارجية لهذه الأنظمة، فضلاً عمّا وصلته أوضاع السياسة الداخلية من هدر واحتقار واستباحة لكرامات الشعوب من دون استثناء.
خلال العقد الأخير، شهدنا تسابقاً محموماً على تمرير مشاريع التوريث في عدد من الجمهوريات الوراثية، وفي مقدمتها سورية، التي اجتمع مجلس نوابها ليغيّر بنداً واحداً يجيز خفض سن الرئيس إلى 34 سنة، فقط ليتوافق مع عمر ابن الرئيس السابق. كان ذلك قمة الإهانة لذكاء الشعب العربي السوري وكرامته، الذي صبر حتى انفجر.
في كل الدول العربية التي طالها الربيع العربي، كانت استجابات أنظمتها دائماً متأخرة، وكلها كانت تلجأ إلى العنف والقتل لإيقاف هذا الموج الغاضب. جيلٌ جديدٌ من الشباب الطامح إلى حياةٍ جديدة، بحيث لا يعود متاعاً يورّثه الأب لابنه كما يورّث الأموال والضياع. وسورية كانت مثالاً فاقعاً وجارحاً للكرامة، فلم يكن بشّار هو المرشح أصلاً لخلافة والده، بل أخوه باسل الذي قضى في حادث مرور في طريق لبنان، فتمّ إعداده للحكم، وكأن سورية خلت من الكفاءات إلا من بيت حكمٍ واحد.
معرفتنا بسورية ليست طارئةً ولا مستجدةً، فقد تفتح وعينا على أخبار مجازر حماة مطلع الثمانينات. ومن أوائل من اكتشفنا من خلاله أشواق سورية الجديدة الزميل فايز سارة الذي سجن عدة سنواتٍ لمجرد توقيعه على بيان يطالب بالحريات في بلده، فمعارضة النظام في سورية جريمةٌ كما في أنظمة عربية أخرى، وعادةً ما يُواجَه هؤلاء باتهامهم بخيانة أوطانهم والعمالة للأجنبي والارتباط بالأجندات الخارجية وغيرها من التخاريف.
سارة من الشخصيات المناضلة من أجل مجتمع مدني، أُفرج عنه قبل شهرين وأصبح اسمها يتردّد في نشرات الأخبار، إلى جانب اسم هيثم مناع الذي نُجلّه ونقدّره، لمعدنه الأصيل، ونضاله المخلص من أجل حقوق الإنسان العربي أينما كان.
الأمور واضحةٌ لدينا، لا التباس ولا تمويه ولا ازدواجية معايير، ومن دون مزايداتٍ من الطارئين على عالم السياسة أو الكتابة. دم المواطن العربي حرامٌ، في أية مدينةٍ عربيةٍ سُفك، وقتل الإنسان المطالب بحقوقه جريمةٌ سواء كان في سورية أو مصر أو اليمن أو غيرها، من دون تمييزٍ أو تفرقةٍ بسبب الانتماء الديني أو المذهبي. وتعذيب الإنسان في المعتقلات وهتك الأعراض وهدم المساجد والقباب... كلها أمورٌ لا يرضاها الله ولا الضمير الحي، في أيّ بلدٍ كانت.
القوة لا تمنح الشرعية الشعبية، والقمع لا يحقّق الاستقرار والازدهار، وحرية الشعوب العربية مشروعٌ أجّل أكثر من نصف قرن
قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3293 - الثلثاء 13 سبتمبر 2011م الموافق 15 شوال 1432هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق