الثلاثاء، 28 أكتوبر 2014

الإعلام حين يتفسخ ويفقد قيمته

الإعلام حين يتفسخ ويفقد قيمته

  • قاسم حسين
  • قاسم حسين ... كاتب بحريني
  • Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

في الملتقى الذي نظمته المفوضية السامية لحقوق الإنسان واليونيسكو في تونس قبل عشرة أيام، خُصّصت إحدى جلساته لمناقشة دور الإعلام في مناهضة خطاب الكراهية الذي يستشري في مجتمعاتنا العربية والاسلامية ويؤجّج النيران.
هذا الملتقى الذي حُدّد لمناقشة دور الإعلام والمجتمع المدني في محاصرة خطاب الكراهية، دُعيت لحضوره فقط أكبر فضائيتين عربيتين متصارعتين: «الجزيرة» و«العربية».
كل فضائية تعبّر عن جهة واحدة، ضمن المنظومة الخليجية، وتدافع عن مصالح مالكها وتروّج رؤيته السياسية وقراءته للأحداث، التي تختلف أحياناً إلى حدّ الصدام، كما حدث في تونس ومصر وليبيا... وأخيراً سورية.
من سوء حظ مندوب «الجزيرة» (وهو ناشط سوداني سابق) أنه خُصّصت له فقرةٌ لتقديم مشاركة على المنصة بين خمسة من الضيوف المتحدثين (من مصر والسودان ولبنان والبحرين والأردن). لقد طرح ما يعرفه من نظريات المهنة وكانت مداخلته مليئةً بالتنظير، فلم تثر اهتمام أحد، ولم تشجّعني حتى على كتابة ملخّصها. إلا أن المفاجأة كانت بعد الانتهاء من طروحات الضيوف، لتبدأ عاصفةٌ من الانتقادات الموجّهة إلى مندوب «الجزيرة». فقد تعرض لهجومٍ جماعي كاسح من عدة أطراف، حيث أجمعوا على ما لعبته قناته من دور سيء في تأجيج الصراعات الطائفية والقبلية عبر العالم العربي.
أحد الناشطين من المعارضة السورية، انتقد القناة، وساق مثلين على توجهها أيدلوجياً، الأول حين دعت قوى المعارضة السورية إلى «جمعة الدولة المدنية» في أحد أسابيع العام الأول للثورة، إلا أن الجزيرة لم تتبنّاها، وروّجت محلها «جمعة أحفاد خالد». والمثل الآخر حين خرجت مظاهرات في مدينة السَلَمية التي يسكنها علويون ضد النظام السوري، وقُتل فيها نساء وأطفال، إلا أن الجزيرة تجاهلت إيراد الخبر.
من ليبيا التي تحالفت بعض الدول العربية مع الفرنسيين والأميركان والأتراك لإسقاط نظامها السابق، فأسقطوها في الفوضى القبائلية العارمة، هاجم أحد أبنائها «الجزيرة»، بقوله إن القناة لا تنقل حقيقة ما يجري في ليبيا، وأضاف: «لقد أصبحت هذه القناة غير مرغوب فيها لدى كثير من الليبيين لأنها كانت أحد الأسباب فيما يعانون منه، خصوصاً في الفترة الأخيرة».
سمعنا انتقادات أخرى من مشارِك أردني، ومشارِكة لبنانية، إلا أن الهجوم الأخير والأكثر صرامةً، جاء من صحافي جزائري، حين قال: «من يحارب الكراهية هو الذي يتعرّض للكراهية اليوم». وانتقد القناة على مساهمتها في إشاعة خطاب الكراهية، معتبراً أن من الخطأ أصلاً إعطاؤها فرصةً لتلميع صورتها.
«الجزيرة» لعبت دوراً كبيراً في تحريك المياه الراكدة لسنوات سابقة، ولعبت دوراً أكبر في أحداث الربيع العربي، في عامه الأول، إلا أنها مع دخول العام الثاني وبداية الانشقاقات بين الحلفاء في الموضوع السوري تحديداً، فضلاً عن ليبيا ومصر، أصيبت بانتكاسةٍ كبرى. وصدرت بعض الدراسات التي تشير إلى انخفاضٍ كبيرٍ في شعبيتها ونسبة متابعيها.
أحد أسباب انحسار شعبيها بروز فضائيات أخرى منافسة، تبنّت خطاباً أكثر تحرريةً والتزاماً وانحيازاً لقضايا الشعوب والقومية والمقاومة. أما السبب الأهم فهو تورطها في تأييد جبهات متطرفة منغمسة بالدم، وانحيازها إلى مشروع واحد مغلق، حيث باتت ناطقةً باسم تنظيم الأخوان المسلمين.
كان هناك إجماعٌ واضحٌ من المشاركين على انتقاد «الجزيرة» ودورها المنحاز والسلبي في أحداث الربيع العربي. فالجمهور لا يعطيك صكاً على بياض، وإنّما ينتظر منك التزاماً بالمهنية والصدق، وعدم التمييز بين الشعوب الطامحة للعيش بحرية وكرامة ومساواة. وهو درسٌ لمن يروّجون خطاب الكراهية وتشطير الشعوب إلى قبائل وطوائف ومِلَلٍ ونِحَل، سواءً في الصحافة أو التلفزيون أو المنبر الديني، بأن هذا الخطاب لا يلقى إلا الاحتقار.
قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 4434 - الثلثاء 28 أكتوبر 2014م الموافق 05 محرم 1436هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق