الجمعة، 24 ديسمبر 2010

نعتذر وبشدّة يا «طفل الدير»!


يمكنك أن تحدث فارقاً‮ ‬ما‮ »‬1‮«‬

 
علي الشرقاوي
صحيفة الوطن - العدد 1840 الجمعة 24 ديسمبر 2010




لا‮ ‬يوجد إنسان ضعيف،‮ ‬ولا‮ ‬يوجد إنسان لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يقدم شيئاً‮ ‬لأبناء جلدته وقومه ومجتمعه،‮ ‬ولا‮ ‬يوجد إنسان ضعيف؛ كل إنسان قادر أن‮ ‬يحدث فرقاً‮ ‬واضحاً‮ ‬في‮ ‬المكان الذي‮ ‬يعمل فيه أو‮ ‬يتحرك في‮ ‬أجوائه،‮ ‬فالإرادة كما‮ ‬يقولون تتبع الخيال،‮ ‬فإن تخيلت شيئاً‮ ‬ما وآمنت به ستجده‮ ‬يتحقق على وجه الأرض‮. ‬من هنا فإنني‮ ‬أنقل إلى القراء الكرام إحدى الحكايات الواقعية التي‮ ‬توضح إمكانية الإنسان،‮ ‬أي‮ ‬إنسان،‮ ‬في‮ ‬تحقيق الحلم الذي‮ ‬يحلم من خلال القصة التي‮ ‬جاءت تحت عنوان‮ ''‬أشهر لا في‮ ‬تاريخ أمريكا‮''‬،‮ ‬ولنتابع معا هذه القصة الواقعية‮. ‬في‮ ‬أحد أمسيات شهر ديسمبر عام‮ ‬1955‮ ‬الباردة جمعت روزا باركس ذات البشرة السمراء والتي‮ ‬تعمل خياطة حاجياتها وتجهزت للعودة إلى بيتها بعد‮ ‬يوم من العمل الشاق المضني،‮ ‬شارت روزا في‮ ‬الشارع تحتضن حقيبتها مستمدة منها بعض الدفء اللذيذ‮.‬

التفتت‮ ‬يمنة ويسرة ثم عبرت الطريق ووقفت تنتظر الحافلة كي‮ ‬تقلها إلى وجهتها،‮ ‬وأثناء وقوفها الذي‮ ‬استمر لدقائق عشر كانت روزا تشاهد في‮ ‬ألم منظر مألوف في‮ ‬أمريكا آنذاك؛ وهو قيام الرجل الأسود من كرسيه ليجلس مكانه رجل أبيض‮!.‬

لم‮ ‬يكن هذا السلوك وقتها نابعاً‮ ‬من روح أخوية،‮ ‬أو لمسة حضارية،‮ ‬بل لأن القانون الأمريكي‮ ‬آنذاك كان‮ ‬يمنع منعا باتا جلوس الرجل الأسود وسيده الأبيض واقف‮. ‬حتى وإن كانت الجالسة امرأة سوداء عجوز وكان الواقف شاب أبيض في‮ ‬عنفوان شبابه فتلك مخالفة تُغرم عليها المرأة العجوز‮!.‬

كان مشهوراً‮ ‬وقتها أن تجد لوحة معلقة على باب أحد المحال التجارية أو المطاعم مكتوب عليها‮ ''‬ممنوع دخول القطط والكلاب والرجل الأسود‮''!!.‬

كل تلك الممارسات العنصرية كانت تصيب روزا بحالة من الحزن والألم والغضب؛ وتتساءل إلى متى‮ ‬يعاملوا على أنهم هم الدون والأقل مكانة؟ لماذا‮ ‬يحقرون ويزدرون ويكونوا دائماً‮ ‬في‮ ‬آخر الصفوف،‮ ‬ويصنفوا سواء بسواء مع الحيوانات؟‮. ‬وعندما وقفت الحافلة استقلتها روزا وقد أبرمت في‮ ‬صدرها أمرا؛ قلبت بصرها‮ ‬يمنة ويسرة فما أن وجدت مقعدا خاليا إلا وارتمت عليه وقد ضمت حقيبتها إلى صدرها وجلست تراقب الطريق الذي‮ ‬تأكله الحافلة بهدوء‮. ‬إلى أن جاءت المحطة التالية،‮ ‬وصعد الركاب وإذ بالحافلة ممتلئة،‮ ‬وبهدوء اتجه رجل أبيض إلى حيث تجلس روزا منتظراً‮ ‬أن تفسح له المجال،‮ ‬لكنها ويا للعجب نظرت له في‮ ‬لامبالاة وعادت لتطالع الطريق مرة أخرى‮!.‬

ثارت ثائرة الرجل الأبيض،‮ ‬وأخذ الركاب البيض في‮ ‬سب روزا والتوعد لها إن لم تقم من فورها وتجلس الرجل الأبيض الواقف،‮ ‬لكنها أبت وأصرت على موقفها،‮ ‬فما كان من سائق الحافلة أمام هذا الخرق الواضح للقانون إلا أن‮ ‬يتجه مباشرة إلى الشرطة كي‮ ‬تحقق مع تلك المرأة السوداء التي‮ ‬أزعجت السادة البيض‮. ‬وبالفعل تم التحقيق معها وتغريمها‮ ‬15‮ ‬دولاراً‮ ‬نظير تعديها على حقوق الغير‮. ‬هنا انطلقت الشرارة في‮ ‬سماء أمريكا،‮ ‬ثارت ثائرة السود بجميع الولايات وقرروا مقاطعة وسائل المواصلات،‮ ‬والمطالبة بحقوقهم كبشر لهم حق الحياة والمعاملة الكريمة‮. ‬استمرت حالة الغليان مدة كبيرة امتدت لـ‮ ‬381‮ ‬يوماً،‮ ‬وأصابت أمريكا بصداع مزمن‮.‬

في‮ ‬النهاية خرجت المحكمة بحكمها الذي‮ ‬نصر روزا باركس في‮ ‬محنتها،‮ ‬وتم إلغاء ذلك العرف الجائر وكثير من الأعراف والقوانين العنصرية‮.‬

غداً‮ ‬نتابع معاً‮ ‬حكاية روزا التي‮ ‬قالت‮ (‬لا‮) ‬للقوانين العنصرية في‮ ‬أمريكا‮..‬

يمكنك أن تحدث فارقاً‮ ‬ما‮ »‬1‮«‬

 
علي الشرقاوي
صحيفة الوطن - العدد 1840 الجمعة 24 ديسمبر 2010




لا‮ ‬يوجد إنسان ضعيف،‮ ‬ولا‮ ‬يوجد إنسان لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يقدم شيئاً‮ ‬لأبناء جلدته وقومه ومجتمعه،‮ ‬ولا‮ ‬يوجد إنسان ضعيف؛ كل إنسان قادر أن‮ ‬يحدث فرقاً‮ ‬واضحاً‮ ‬في‮ ‬المكان الذي‮ ‬يعمل فيه أو‮ ‬يتحرك في‮ ‬أجوائه،‮ ‬فالإرادة كما‮ ‬يقولون تتبع الخيال،‮ ‬فإن تخيلت شيئاً‮ ‬ما وآمنت به ستجده‮ ‬يتحقق على وجه الأرض‮. ‬من هنا فإنني‮ ‬أنقل إلى القراء الكرام إحدى الحكايات الواقعية التي‮ ‬توضح إمكانية الإنسان،‮ ‬أي‮ ‬إنسان،‮ ‬في‮ ‬تحقيق الحلم الذي‮ ‬يحلم من خلال القصة التي‮ ‬جاءت تحت عنوان‮ ''‬أشهر لا في‮ ‬تاريخ أمريكا‮''‬،‮ ‬ولنتابع معا هذه القصة الواقعية‮. ‬في‮ ‬أحد أمسيات شهر ديسمبر عام‮ ‬1955‮ ‬الباردة جمعت روزا باركس ذات البشرة السمراء والتي‮ ‬تعمل خياطة حاجياتها وتجهزت للعودة إلى بيتها بعد‮ ‬يوم من العمل الشاق المضني،‮ ‬شارت روزا في‮ ‬الشارع تحتضن حقيبتها مستمدة منها بعض الدفء اللذيذ‮.‬

التفتت‮ ‬يمنة ويسرة ثم عبرت الطريق ووقفت تنتظر الحافلة كي‮ ‬تقلها إلى وجهتها،‮ ‬وأثناء وقوفها الذي‮ ‬استمر لدقائق عشر كانت روزا تشاهد في‮ ‬ألم منظر مألوف في‮ ‬أمريكا آنذاك؛ وهو قيام الرجل الأسود من كرسيه ليجلس مكانه رجل أبيض‮!.‬

لم‮ ‬يكن هذا السلوك وقتها نابعاً‮ ‬من روح أخوية،‮ ‬أو لمسة حضارية،‮ ‬بل لأن القانون الأمريكي‮ ‬آنذاك كان‮ ‬يمنع منعا باتا جلوس الرجل الأسود وسيده الأبيض واقف‮. ‬حتى وإن كانت الجالسة امرأة سوداء عجوز وكان الواقف شاب أبيض في‮ ‬عنفوان شبابه فتلك مخالفة تُغرم عليها المرأة العجوز‮!.‬

كان مشهوراً‮ ‬وقتها أن تجد لوحة معلقة على باب أحد المحال التجارية أو المطاعم مكتوب عليها‮ ''‬ممنوع دخول القطط والكلاب والرجل الأسود‮''!!.‬

كل تلك الممارسات العنصرية كانت تصيب روزا بحالة من الحزن والألم والغضب؛ وتتساءل إلى متى‮ ‬يعاملوا على أنهم هم الدون والأقل مكانة؟ لماذا‮ ‬يحقرون ويزدرون ويكونوا دائماً‮ ‬في‮ ‬آخر الصفوف،‮ ‬ويصنفوا سواء بسواء مع الحيوانات؟‮. ‬وعندما وقفت الحافلة استقلتها روزا وقد أبرمت في‮ ‬صدرها أمرا؛ قلبت بصرها‮ ‬يمنة ويسرة فما أن وجدت مقعدا خاليا إلا وارتمت عليه وقد ضمت حقيبتها إلى صدرها وجلست تراقب الطريق الذي‮ ‬تأكله الحافلة بهدوء‮. ‬إلى أن جاءت المحطة التالية،‮ ‬وصعد الركاب وإذ بالحافلة ممتلئة،‮ ‬وبهدوء اتجه رجل أبيض إلى حيث تجلس روزا منتظراً‮ ‬أن تفسح له المجال،‮ ‬لكنها ويا للعجب نظرت له في‮ ‬لامبالاة وعادت لتطالع الطريق مرة أخرى‮!.‬

ثارت ثائرة الرجل الأبيض،‮ ‬وأخذ الركاب البيض في‮ ‬سب روزا والتوعد لها إن لم تقم من فورها وتجلس الرجل الأبيض الواقف،‮ ‬لكنها أبت وأصرت على موقفها،‮ ‬فما كان من سائق الحافلة أمام هذا الخرق الواضح للقانون إلا أن‮ ‬يتجه مباشرة إلى الشرطة كي‮ ‬تحقق مع تلك المرأة السوداء التي‮ ‬أزعجت السادة البيض‮. ‬وبالفعل تم التحقيق معها وتغريمها‮ ‬15‮ ‬دولاراً‮ ‬نظير تعديها على حقوق الغير‮. ‬هنا انطلقت الشرارة في‮ ‬سماء أمريكا،‮ ‬ثارت ثائرة السود بجميع الولايات وقرروا مقاطعة وسائل المواصلات،‮ ‬والمطالبة بحقوقهم كبشر لهم حق الحياة والمعاملة الكريمة‮. ‬استمرت حالة الغليان مدة كبيرة امتدت لـ‮ ‬381‮ ‬يوماً،‮ ‬وأصابت أمريكا بصداع مزمن‮.‬

في‮ ‬النهاية خرجت المحكمة بحكمها الذي‮ ‬نصر روزا باركس في‮ ‬محنتها،‮ ‬وتم إلغاء ذلك العرف الجائر وكثير من الأعراف والقوانين العنصرية‮.‬

غداً‮ ‬نتابع معاً‮ ‬حكاية روزا التي‮ ‬قالت‮ (‬لا‮) ‬للقوانين العنصرية في‮ ‬أمريكا‮..‬


نعتذر وبشدّة يا «طفل الدير»!

نعتذر وبشدّة يا «طفل الدير» على الإساءة التي خضتها أثناء اختطافك، وعلى الاعتداء الوحشي الذي تعرّضتَ له من قبل آكلي لحوم البشر، كما نعتذر على عدم قدرتنا مساعدتك قبل وأثناء وبعد الاعتداء!
لقد أصبح الاعتداء الجنسي في أيّامنا هذه من الأمور البسيطة، بحيث إنّنا لا نلتفت لها، ولا نقوم بتعديل بعض القوانين من أجل حماية أطفالنا، فمن هو «طفل الدير» يا تُرى لنعترف بوجود مأساة في قوانيننا، حتى نحاول تعديلها؟!
فنحن لم نساعدك قبل الاعتداء الجنسي المشين الذي ألّمَ بك، لأنّنا لم نزج أمثال هذا الوحش البشري في سجن الى الأبد، على رغم تعرّضه لأطفال آخرين قبلك وحُبِس لوقت قصير، حتى يخرج ويبحث عنك ليلتهمك.
ولم نساعدك أثناء الاعتداء، لأنّ هذا المجرم كان طليقاً حراً، واختارك من دون الآخرين، ليطبق أسنانه ولهاثه المسعور عليك، ونحن كنّا مشغولين بأحداث سياسية، ومتناسين حدثاً أهم وهو «أنت»!
كما أنّنا نعتذر منك لأنّنا لم نساعدك بعد انتهاء المصيبة غير المنتهية، إذ جلّ ما قام به المجتمع هو إلقاء القبض عليه، فما هي إلا عدّة سنوات وربما يخرج هذا الوحش البشري من السجن، حتى يصادف ضحيّة أخرى ليعتدي عليها، وما هي الاّ سنوات وتكبر وينسى الناس المأساة التي حدثت لك، والتي لا ينساها والداك وأهلك، والتي لن تُمحى من ذاكرتك حتى الممات.
في لقاء مع والد الطفل، ذكر لنا الوالد تفاصيل القصّة التي تدمي القلوب، وأخبرنا بما حصل - وقد غطّت صحيفتنا «الوسط» تفاصيلها - ولكن لا أحد يعلم بما حدث بعد ذلك، فهذا المتحرِّش بالأطفال كان يسخر إبان التحقيق معه ويفتعل الضحكات بوجهه الجامد، ويعترف بدون خشية منه أو حياء بما قام به، لأنّه استسهل السجن قصير المدى، فاللذّة التي تجتاحه عندما يغتصب طفلاً، وعدم الردع القوي من قبل القانون، جعلته نافذاً مستأسداً معترفاً بتبجّح بما قام به من فعل تقشعر منه الأبدان والأفئدة!
إنّ الطفل رجع الى بيته بعد الاختطاف والاعتداء، ولكنّه لم يرجع الى جسده كما كان، فالأب ذكر لنا عدم نوم الطفل وخوفه الشديد من كل شيء وانطوائه عن الناس وتغيّبه في كثير من الأحيان عن المدرسة بعد الحادث، مع أنّه كان من الأطفال الأذكياء الاجتماعيين، الذين لا تفارق البسمة أفواههم.
ماذا قمنا به كمجتمع حتى نمنع حصول هذا الاغتصاب؟
لا شيء حتى الآن.
ماذا قمنا به كمجتمع حتى نعدّل القانون، ونزج بأمثال هذا المجرم في سجن مدى الحياة؟
لا شيء حتى الآن.
لا تُفيد الكلمات اليوم، فالطفل مصفوع بقوّة ولن ينسى ذلك الصافع!
نعتذر وبشدّة يا «ابن الدير»، ولنتذكّر بأنّ: من يهُن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميّت إيلام.
وجمعة مباركة على رغم الغصّة التي نستشعرها أثناء كتابة هذا المقال.



مريم الشروقي
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3031 - الجمعة 24 ديسمبر 2010م الموافق 18 محرم 1432هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق