زينب عليها السلام الصوت الناطق بأسم ثورة الحسين عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين .. والصلاة والسلام على طبيب نفوسنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد .
وعلى اله الطيبين الطاهرين وصحبه الغرالميامين وتابعيهم باحسان الى يوم الدين
كانت السيدة زينب (عليها السلام) تتمتع بفكر سديد وثاقب وفصاحة اللسان حتى أصبحت مضرب
الأمثال بين أقرانها في الفصاحة والبلاغة وحسن البيان وكانت تسرد قولها سرداً كأنه عقد نظيم،
فقد منحها الله سبحانه وتعالى صفاء القريحة، وسداد الرأي فكانت فوق أترابها فقهاً وأدباً، وحلماً
وديناً وخلقاً، ولا غرابة في ذلك لأنها من بيت النبوة، فجدها سيد الخلق محمد (صلى الله عليه وآله)
وأبوها علي (عليه السلام) وأمها فاطمة الزهراء (عليها السلام) وأخويها الحسن والحسين (عليهما السلام)
وهاهي بنفسها تترجم عن هذا فتقول كما رواه ابن حميد وابن عساكر: (ومن كجدي النبي العربي،
الهاشمي القرشي، الذي اصطفاه الله تعالى واختاره ليبين للناس طريق الحياة من خير وشر في
أسلوبه العذب الجميل، وعباراته الممتعة، التي تفيض رقة وحنانا، عطفاً واشفاقاً). كما أنها أدركت ما لها من كريم
الفضل وأسمى المنازل عندما لمحت علم أبيها علي (عليه السلام) وأمها فاطمة، وأخويها الحسن
والحسين. فلا يمكننا مقارنة النصوص الأدبية التي نقرأها اليوم مع ما جاء على لسان أهل البيت
(عليهم السلام) لأن الكثير منها يخلو من المحتوى الرفيع والمعنى الشامخ والفكرة الراشدة، فيبدو
فارغاً من الذوق أحياناً، فكلام أهل البيت (عليهم السلام) فضلاً عن بلاغته وعلو فصاحته فقد
تضمن المعاني الجليلة من الاعتقادات الحقة والوصايا الأخلاقية، والدعوات الموجهة إلى الخير
والجهاد، معبراً عن أهداف الشريعة، وعن شجاعة المتحدثين به فكانت أحاديث المصطفى (صلى
الله عليه وآله) في مكة المكرمة وخطب أمير المؤمنين (عليه السلام) وخطبتي فاطمة (عليها
السلام) إضافة إلى خطب الحسن والحسين (عليهما السلام) ... سلسلة من نور تمتد لتصل إلى السيدة زينب (عليها السلام).
فالسيدة زينب (عليها السلام) هي وريثة هذا البيت الطاهر، فقد جاء في إحدى زياراتها
. (السلام على المولودة في معقل العصمة والتقى، ومهبط الوحي والهدى، والموروثة عظيم الفضل
والندى.. سلام على المرأة الصالحة، والمجاهدة الناصحة، والحرة الأبية، واللبوة الطالبية، والمعجزة المحمدية، والذخيرة الحيدرية، والوديعة الفاطمية).
ورد عن الشيخ جعفر النقدي رضوان الله عليه: (في الطراز المذهب، عن ناسخ التواريخ انه قال:
من معجزات رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه كان يضع لسانه في فم أولاد فاطمة الرضع
فيغنيهم عن اللبن. قال: والأولاد الرضع يشمل الذكور والاناث، فزينب وأم كلثوم تشاركان الحسنين (عليهما السلام) في هذه الفضيلة.
ولا عجب أن من التقم لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وارث علوم الأولين والآخرين ـ
وارتوى علمه، سيحصل على المراتب العالية، ويأخذ مقامات العلم والشرف. لقد أدركت الحوار
أمها فاطمة (عليها السلام) ورأت مصيبتها وسمعت خطبتها وشاهدت كسر ضلعها وسقطها
واستشهادها وتشييعها ليلاً، وأدركت أبيها وكانت حاضرة خطبه وجهاده واستشهاده وأدركت أخيها
الحسن (عليه السلام) وتسميمه وحضرت كربلاء بكل قضاياها الفريدة في العالم.
وكانت فصاحة سيدتنا زينب (عليها السلام) تجمع بالإضافة إلى قوة العبارة وحسن الأسلوب أمرين
آخرين هما المعرفة والشجاعة، فقد هيمنت كلماتها على السامعين وجعلتهم مذهولين حيارى لا
يستطيعون أن يجيبوا بأي حرف وهناك شواهد كثيرة على ذلك وخير مثال ماحصل في مجلس يزيد
بعد استشهاد ابي الاحرار عليه السلام
السلام عليك يازينب الحوراء يا أم المصائب
المصدر: منتديات ارجوان
الأحد، 27 نوفمبر 2011
كتب الامام الشيرازي اعلى الله درجاته الكثير عن الكثير
كتب الامام الشيرازي اعلى الله درجاته الكثير عن الكثير
وكُتِبَ وسيُكتَب عنه وحوله الكثير الكثير
الإمام الشيرازي (اعلى الله درجاته) بحد ذاته مدرسة فكرية متكاملة جسمت الأبعاد المختلفة والمتعددة للفكر الإسلامي المعاصر فقد أجاب (اعلى الله درجاته) عن أهم الأسئلة إلحاحا في واقعنا المعاصر، والذي يتتبع الإنتاج الفكري الكبير كما ونوعا لسماحته يجد الأجوبة الشافية لكل ما يطرحه المشككون في قدرة الإسلام على التعامل الديمومي مع الحياة، لذلك فان أفكار الإمام الشيرازي الراحل ترفع تلك الإشكاليات وتؤسس نظرية متينة تستمد قوتها من جذورها النابعة من العمق والاصالة الإسلامية ومن قدرتها على التعاصر مع كافة التحديات الجديدة التي تهب عليها من مختلف الجهات.
فقد كان رجلاً استثنائياً في ميادين الإيمان، والتقوى، والعلم، والتأليف، والورع، والزهد، والجهاد، والأخلاق، والعمل والريادة، والتأسيس والتربية وغير ذلك من الأبعاد التي يصعب اجتماعها في رجل واحد.
إذ كانت مرجعيته تمثل نموذجاً نادراً في تاريخ المرجعيات، فهي مرجعية علمية فقهية أصولية، حضارية، جهادية، ثورية، منظورة غير منعزلة في النطاق التقليدي، كما أنها مثلت مدّاً حضارياً أعاد صياغة مفاهيم الأمة وأحيى قيمها وتعاليمها الأصيلة، إضافة إلى ذلك فقد كانت هذه المرجعية، مرجعية التجديد والإنقاذ والإنهاض.
لقد تناول الإمام الشيرازي الراحل (اعلى الله درجاته) في أطروحته الحضارية الإسلامية مختلف العلوم في التفسير والحديث والأخلاق، واللغة والمنطق والكلام والعلوم المعاصرة كالسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والتاريخ والبيئة إلى غير ذلك من العلوم التي جعلت في أطروحته النهضوية الحلول الوافية لكل ما يطرح من استفهامات حول أهلية الإسلام في كونه دين الإنسان والحياة، والبلسم الشافي لكل جراحات الأمة التي سببتها أفعال الأنظمة الاستبدادية والظالمة.
لقد أعطى العلماء الأعلام من الأسرة الشيرازية الشريفة الخدمات الجليلة والمساهمات العظيمة للأمة لاسيما في مجال الفكر والثقافة، ونحن نعيش في كنف هذه المرجعية الرشيدة المتجسدة في زمننا الحاضر في سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) ارتأت أسرة تحرير موقع الإمام الشيرازي أن تجعل من باب فكر وثقافة الجامع لكل ما كتب عن فكر الإمام الشيرازي الراحل وعلمه ومشروعه الحضاري الإسلامي، معززين ذلك بالخطاب الإسلامي الأصيل لسماحة السيد المرجع (دام ظله) والمحاضرات التي يلقيها أعلام الأسرة الشيرازية الكريمة، ليكون الزاد النافع لكل من يبحث في فكر وعلوم وآثار هذه المرجعية الرشيدة.
وتسهيلاً لعمل السادة الباحثين والكتاب والأفاضل من القرّاء قسّم باب فكر وثقافة إلى عدّة أقسام لكل قسم اختصاصه ومهامه:
يحتوي على محاضرات لسماحة السيد المرجع (دام ظله) وأعلام الأسرة الشريفة.
امضاءات شيرازية
1
يتضمن الكتب التي تناولت بالشرح والتبيان والتفصيل لمضامين أطروحة الإمام الراحل (قدس سره) في مشروعه الحضاري الإسلامي.
كتب
2
يتناول أفكار الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) في إطار علمي يتوافق مع حاجة الساحة الفكرية الإسلامية والعالمية.
دراسات
3
يتبنى فيها كتابها رؤى وأفكار الإمام الراحل لتقديمها إلى الناس من خلال ما تشهده الأمة وتعيشه من أحداث وأزمات.
مقالات
4
يتناول قراءات لما جادت به أنامل الإمام الراحل (قدس سره) وسماحة السيد المرجع (دام ظله) وعلماء الأسرة الشيرازية المعاصرين (حفظهم الله تعالى).
قراءة في كتاب
5
تتناول الجانب التوثيقي والارشيفي والنشاطات التي تهدف الى نشر افكار المرجعية الرشيدة.
إصدارات
6
حوارات
7
وكُتِبَ وسيُكتَب عنه وحوله الكثير الكثير
الإمام الشيرازي (اعلى الله درجاته) بحد ذاته مدرسة فكرية متكاملة جسمت الأبعاد المختلفة والمتعددة للفكر الإسلامي المعاصر فقد أجاب (اعلى الله درجاته) عن أهم الأسئلة إلحاحا في واقعنا المعاصر، والذي يتتبع الإنتاج الفكري الكبير كما ونوعا لسماحته يجد الأجوبة الشافية لكل ما يطرحه المشككون في قدرة الإسلام على التعامل الديمومي مع الحياة، لذلك فان أفكار الإمام الشيرازي الراحل ترفع تلك الإشكاليات وتؤسس نظرية متينة تستمد قوتها من جذورها النابعة من العمق والاصالة الإسلامية ومن قدرتها على التعاصر مع كافة التحديات الجديدة التي تهب عليها من مختلف الجهات.
فقد كان رجلاً استثنائياً في ميادين الإيمان، والتقوى، والعلم، والتأليف، والورع، والزهد، والجهاد، والأخلاق، والعمل والريادة، والتأسيس والتربية وغير ذلك من الأبعاد التي يصعب اجتماعها في رجل واحد.
إذ كانت مرجعيته تمثل نموذجاً نادراً في تاريخ المرجعيات، فهي مرجعية علمية فقهية أصولية، حضارية، جهادية، ثورية، منظورة غير منعزلة في النطاق التقليدي، كما أنها مثلت مدّاً حضارياً أعاد صياغة مفاهيم الأمة وأحيى قيمها وتعاليمها الأصيلة، إضافة إلى ذلك فقد كانت هذه المرجعية، مرجعية التجديد والإنقاذ والإنهاض.
لقد تناول الإمام الشيرازي الراحل (اعلى الله درجاته) في أطروحته الحضارية الإسلامية مختلف العلوم في التفسير والحديث والأخلاق، واللغة والمنطق والكلام والعلوم المعاصرة كالسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والتاريخ والبيئة إلى غير ذلك من العلوم التي جعلت في أطروحته النهضوية الحلول الوافية لكل ما يطرح من استفهامات حول أهلية الإسلام في كونه دين الإنسان والحياة، والبلسم الشافي لكل جراحات الأمة التي سببتها أفعال الأنظمة الاستبدادية والظالمة.
لقد أعطى العلماء الأعلام من الأسرة الشيرازية الشريفة الخدمات الجليلة والمساهمات العظيمة للأمة لاسيما في مجال الفكر والثقافة، ونحن نعيش في كنف هذه المرجعية الرشيدة المتجسدة في زمننا الحاضر في سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) ارتأت أسرة تحرير موقع الإمام الشيرازي أن تجعل من باب فكر وثقافة الجامع لكل ما كتب عن فكر الإمام الشيرازي الراحل وعلمه ومشروعه الحضاري الإسلامي، معززين ذلك بالخطاب الإسلامي الأصيل لسماحة السيد المرجع (دام ظله) والمحاضرات التي يلقيها أعلام الأسرة الشيرازية الكريمة، ليكون الزاد النافع لكل من يبحث في فكر وعلوم وآثار هذه المرجعية الرشيدة.
وتسهيلاً لعمل السادة الباحثين والكتاب والأفاضل من القرّاء قسّم باب فكر وثقافة إلى عدّة أقسام لكل قسم اختصاصه ومهامه:
يحتوي على محاضرات لسماحة السيد المرجع (دام ظله) وأعلام الأسرة الشريفة.
امضاءات شيرازية
1
يتضمن الكتب التي تناولت بالشرح والتبيان والتفصيل لمضامين أطروحة الإمام الراحل (قدس سره) في مشروعه الحضاري الإسلامي.
كتب
2
يتناول أفكار الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) في إطار علمي يتوافق مع حاجة الساحة الفكرية الإسلامية والعالمية.
دراسات
3
يتبنى فيها كتابها رؤى وأفكار الإمام الراحل لتقديمها إلى الناس من خلال ما تشهده الأمة وتعيشه من أحداث وأزمات.
مقالات
4
يتناول قراءات لما جادت به أنامل الإمام الراحل (قدس سره) وسماحة السيد المرجع (دام ظله) وعلماء الأسرة الشيرازية المعاصرين (حفظهم الله تعالى).
قراءة في كتاب
5
تتناول الجانب التوثيقي والارشيفي والنشاطات التي تهدف الى نشر افكار المرجعية الرشيدة.
إصدارات
6
حوارات
7
الشعائر الحسينية
الشعائر الحسينية
إن ثورة الحسين (عليه السلام) لم تكن ثورة وقتية لتموت بعد زمان، وإنما كانت ثورة الحق ضد الباطل، وثورة العدالة ضد الظلم، وثورة الإنسانية ضد الوحشية، وثورة الهداية ضد الضلال، ولذا كان من الضروري، امتداد هذه الثورة مادامت الدنيا باقية، ومادام يتقابل جيشا الحق والباطل والهداية والضلالة، وهذا هو سرّ تحريض الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الكرام المسلمين على الاحتفال بذكرى عاشوراء طول الدهر، ومنه اتخذ المسلمون مجالس العزاء والحفلات التأبينية بمختلف أشكالها، طول الزمان، وإلى هذا يشير ما ينقل من أنه : (كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء). أما ألوان العزاء وكيفيات الذكرى فليست شيئاً محدداً، فلمن شاء أن يتخذ الشكل المناسب على شريطة أن لا يكون هناك نص خاص من الشريعة الإسلامية على تحريمه فمثلاً لا يحق للإنسان أن يتخذ الانتحار سبيلاً لذكرى الثورة ـ كما يتخذه البوذيون أحياناً للوصول إلى أهداف دينية، أو وطنية ـ لأن الإسلام نهى عن قتل النفس، أما ما لم يكن فيه نص خاص على التحريم، فذلك جائز بل مستحب لأنه من مصاديق قوله سبحانه: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)(1). أما استهزاء بعض الناس على بعض الشعائر، فغير ضار، فإن الناس استهزأوا بجميع الأنبياء كما في القرآن الحكيم : (يا حسرةً على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون)(2).
المنبر الحسيني
من وسائل امتداد ثورة الحسين (عليه السلام) وتركيز مبادئه في النفوس على طول الخط: (المنبر) ولذا اتخذه المسلمون، بعد استشهاد الإمام مباشرة إلى هذا اليوم وسيلةً لبث هذه الذكرى، ونعمت الوسيلة، لكن من الضروري أن نذكر لزوم توسعة المنابر وتعميقها، أما التوسعة : فذلك لأن البلاد الإسلامية كلها متعطّشة إلى من يفهّمها الإسلام ويبيّن لها مزاياه وخصوصياته، وذلك ليس في وقت خاص، بل في دائم الأوقات، فإن النفوس تحتاج إلى الغذاء المستمر، كما أن الأبدان تحتاج إلى الغذاء كل يوم.. والمقدار الموجود ـ في الحال الحاضر ـ من المنابر لا يكفي لسدّ عشر هذا الفراغ، ولذا يجب على كافة المسلمين التعاون في إيجاد خطباء واعين وتكوين مجالس كثيرة في طول البلاد وعرضها لأداء هذه المهمة الحيوية.. وذلك لأن الإمام الحسين (عليه السلام) إنما قام بنهضته المقدسة للإسلام وإعلاء كلمة الله، ومن المعلوم أن ذلك لا يتم إلا بأن يبين الخطيب ما يتصل بالإسلام من عقيدة، وتفسير، وتاريخ، وأحكام، وأخلاق، مبيناً منهج الإسلام في الجوانب المختلفة من الحياة من سياسة، واقتصاد وثقافة، وتربية، ومعاشرة، وأسرة، وما إليها كل ذلك مقروناً بالأدلة المعقولة الدالة على أفضلية الإسلام من سائر الأديان والمبادئ، والمناهج، والقوانين، وبمثل هذا يمكن رفع مستوى المسلمين كما يكون المنبر مؤدياً مهمته إذا روعي فيه هاتان الجهتان، وإنا إذ نكبر أهالي المنبر الأعاظم الذين يراعون هذه الجهة بكل دقة وإخلاص، نكتب هذا راجين أن يقتدي المبتدئون من أهل المنبر بهؤلاء.
استخدام الأجهزة الحديثة
لقد كانت وسيلة الثقافة سابقاً منحصرة في (المدارس الدينية) و(المنابر) و(الكتب) وكلها كانت مصبوغة بصبغة الإسلام، فكان المجتمع يتلقّى التعاليم الإسلامية من هذه الوسائل تلقائياً. أما اليوم فقد زيدت على تلك الوسائل السابقة، (المدارس الحديثة) و(الإذاعة) و(التلفزة) و(العارضة) و(الجرائد) و(المجلات) و(الاجتماعات الأخرى) فمن الضروري على المسلم أن يهتم لإدخال برامج الإسلام والمبادئ التي استشهد في سبيل تطبيقها الإمام الحسين (عليه السلام) في هذه الوسائل الحديثة، حتى تنتشر تلك المبادئ والأهداف في كل مدينة وقرية، ودار ومدرسة، ومعمل وثكنة.. فإن مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) خير من آراء (فرويد)، وثورته المقدسة أفضل من الثورة الفرنسية، إلى غيرهما مما أُقحِمَ في حياة المسلمين، وصبغت المناهج بصبغتها، ومن الغبن أن يستفيد الإنسان من الصناعات الحديثة مادياً، ولا يستفيد منها معنوياً.
المآتم الحسينية
من الواضح أنه تلزم المناسبة بين المظاهر والمقاصد فقد ورد: (كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم)(3) وعلى هذا فمن اللازم أن تتصف المآتم الحسينية والقائمون بها ـ بمختلف أنواع القيام من أصحاب المجالس، والعمال فيها، والمستمعين وأفراد المواكب، والقائمين بالهيئات، وغيرهم ـ بما أمر الإسلام إيجاباً، أو ندب إليه استحباباً من التحلي بالآداب الإسلامية، بإتيان الواجبات وترك المحرمات، والتخلّق بالأخلاق الفاضلة وتنزيه المجالس عن الوساخة والأشياء المزرية وتجنيب المواكب عن الأمور المنافية، وتنظيف المآتم وممر المواكب عن المنكرات، كالنساء المتبرجات والفتيات السافرات، والمواظبة على عدم قذارة الشوارع ومحلات مياه الشرب وأكواب الشاي والمبردات، وظروف الأطعمة وما إلى ذلك.. فإن الحسين (عليه السلام) إنما استشهد للإسلام، ولسان حاله: (إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي يا سيوف خذيني).
وفي إحدى زياراته المقدسة: (أشهد أنك طهر طاهر مطهر، من طهر طاهر مطهر طهرت وطهرت بك البلاد وطهرت أرض أنت بها وطهر حرمك) كما أن اللازم الاقتداء بالحسين (عليه السلام) في المواظبة على مواقيت الصلوات فلا يمتد المجلس أو الموكب بحيث يضر بالصلاة في أول الوقت، فقد قام الحسين (عليه السلام) لصلاة الجماعة، يوم عاشوراء، والسهام تترامى عليه وعلى أصحابه كرشق المطر. ومن الضروري تجنيب المواكب والمجالس وما إليها من أسباب التفرقة والشحناء والتباغض، فقد قال ســـبحانه: (أشداء على الكـــفار رحماء بينهم)(4) وقال: (واعـــتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)(5).
خدمة الإسلام بخدمة الحسين (عليه السلام)
يلزم على المسلم أن يخدم الإسلام بخدمة الإمام الحسين (عليه السلام)، فإنه وسيلة لنشر الإسلام، لو عرفنا كيف نستفيد من هذه الطاقة الهائلة، فإن الروحية التي تبعثها معنوية الحسين (عليه السلام) أكثر من كل طاقة روحية عرفتها البشرية من آدم أبي البشر إلى هذا اليوم ـ وهذا غير مقام الأفضلية التي تجعل الحسين (عليه السلام) في الدرجة الخامسة منها ـ ألا ترى أن المسلم يتمكن أن يجمع الناس حول مظلومية الحسين (عليه السلام) بنحو لا يتمكن أن يجمعهم باسم من عداه، فإنك لو ذكرت قصة الطفل الرضيع (عبد الله) لأقسى الناس قلباً، وأبعد الناس عن الإسلام ونبي الإسلام، لابد وأن يرقّ قلبه وتجري دمعته، وفي هذه الحالة تؤثر العِظة والإرشاد فإن القلب إذا لان كان قابلاً لكل هداية وإصلاح، وقد حدّثني أحد تجار أفريقيا، وكان خطيباً في نفس الوقت أنه مر ذات يوم من أيام محرم، بقرية من تلك القارة فرأى مأتماً منعقداً ولما تبين الأمر ظهر أنهم عبّاد صنم وإنما يعقدون شبه مأتم لذكرى الحسين تقليدياً، قال: فصعدت المنبر، وقلت لهم:
إن الحسين جاء إلى هذه القرية لكن جد الحسين ومبادئه لم يأتيا إلى هذه القرية، فهيا بنا نجعل الحسين واسطة مجيء جده ومبادئه.. ثم شرعت في بيان التوحيد والنبوة والمعاد، وسائر أصول الإسلام وفروعه، وببركة الحسين (عليه السلام) انقلبت القرية مسلمة بعد أن كانت كافرة.
ونرى أن غير المسلمين يحضرون مجالس العزاء وأحسن شاهد لذلك، المآتم المنتشرة في الهند وباكستان وأفريقيا وما إليها.. وقد نقل لي أحد علماء (كراجي) أن قسيساً قال له : (لو كان لنا حسينكم فقط، لتمكّنا من تنصير العالم تحت لوائه. بأن نرفع علماً باسم الحسين في كل مكان ونجمع الناس حوله، ثم نبشّرهم بمبادئنا، لكنكم معاشر المسلمين لا تعرفون كيف تستفيدون من الحسين في الغايات التبشيرية).
ومثلنا مثل تاجر له ملايين الدنانير، لكن لا يعرف كيف يتّجر وإن مثل مأساة الإمام ـ ولا مناقشة في الأمثال ـ كمثل معدن زيت تحت الأرض، لا يستفيد الإنسان منه، ويبقى في الظلمة طول ليله، ولعل المقدار الذي مستفاد منه في الأغراض التبليغية من مأساة الإمام أبعد في النسبة من الواحد إلى المليون.
عطلة عشرة محرم
ينبغي للمسلمين أن يتخذوا عشرة محرم تعطيلاً عاماً وأحزاناً، اقتداءً بالأئمة الطاهرين، كما في بعض الأحاديث ـ فيجعلوا البلاد الإسلامية قطعة من السواد والأعلام والمصابيح الحمر والمآتم والمواكب وما أشبه، كل ذلك بقصد غرس الإسلام ونشر أحكامه وتركيز العقيدة في نفوس المسلمين وجلب انتباه غير المسلمين إلى ما للإسلام من مبادئ حيّة ومزايا ـ وأخيراً جلبهم إلى حوزة المسلمين كما نرى المسيحيين يفعلون ذلك بالنسبة إلى (عيد الميلاد) ومن المعلوم أن تأثير الأحزان في النفس أكثر من تأثير الأفراح ـ كما ثبت في علم النفس ـ وحيث أدرك هذه الحقيقة الملحدون والمستعمرون فإنهم أرادوا بكل وسيلة القضاء على هذه الشعائر والمآتم، ففي جملة من الأقطار الإسلامية منعوا هذه الأمور قبل نصف قرن تقريباً ـ على أيدي عملائهم ـ كما أن أحد كبراء زعماء الإلحاد لما قيل له: (إن جلاوزته تمكنوا من القضاء على عشرات المئات من الخطباء ورجال الدين) قال: (هذا لا يفيد، وإنما المفيد القضاء على كربلاء فما دام الحسين موجوداً في النفوس يتكون الخطباء والوعّاظ، ويبقى الإسلام والعقيدة).
كربلاء المقدسة
إن كربلاء المقدسة ـ بما أنها مدينة الحسين (عليه السلام) ـ يجب أن تكون شعلة من العلم والثقافة والعمل والجهاد، والفضيلة والأخلاق والطهارة والنظافة وحسن المعاشرة والمعاملة والتبشير والتبليغ والإرشاد والهداية، حتى تحكي عن مبادئ الحسين (عليه السلام) وأهدافه، وحتى تكون مدينة مثالية تقتدي بها سائر المدن، ولذا يجب أن تتعاون القوى في داخل البلدة وخارجها لطهارة البلدة معنوياً وتعميرها وتجميلها مادياً، بما يليق بكرامتها، فقد ورد في الحديث: (إن الله جميل يحب الجمال)(6).
ثم بعد ذلك يأتي دور تقوية المرافق العلمية والدينية لتكون مشعلاً للعلم والدين، وتليها النجف الأشرف مدينة الإمام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) جامعة الإسلام الكبرى، وموئل العلماء والمفكرين.
فإن المرافق الموجودة فعلاً لعلها تكون أقل من العشر بالنسبة إلى المقدار اللائق بمثل هذه المدينة المقدسة.. أما المرافق الموجودة فعلاً فهي: (1) عشرون مدرسة دينية. (2) عشر نشرات شهرية. (3) ما يقارب السبعمائة من أهل العلم بما فيهم العالم والخطيب، وإمام الجماعة والمؤلف والشاعر، والأديب، والطالب والمدرس ومن أشبه (4) زهاء أربعين مكتبة للمطالعة ـ بما فيها الكبيرة والصغيرة ـ . (5) زهاء ثلاثين مكتبة للبيع. (6) ما يقارب مائتي مسجد. (7) أكثر من مائة حسينية. (8) ما يقارب الألف وخمسمائة من تلاميذ المدارس الأهلية بما فيهم حفّاظ القرآن الحكيم والحافظات وطلاب مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام). (9) عدد لا بأس به من حلقات التجويد والمسائل والجمعيات والهيئات وما أشبه.
(10) جملة من المشاريع الأخرى كهيئة التبليغ الإسلامي السيار، ودار النشر والتوجيه الديني والمؤسسات الثقافية ورابطة النشر الإسلامي والنشرات التي تصدر في المناسبات ومجالس العزاء الكثيرة التي تعقد طول السنة بكثرة هائلة والاحتفالات الدينية التي تقام بالمناسبات وفي مقدمتها الحفلة الكبرى التي تعقد سنوياً بمناسبة ميلاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في ثالث عشر رجب ومجالس الإرشاد والتي تتكون بمناسبة الزيارات إلى أمثال هذه الأمور. ومن المعلوم أن هذا القدر قليل بالنسبة إلى المدينة التي هي مثوى سيد الشهداء وأهله وصحبه الكرام ومدفن أبطال الولاء والعلم والجهاد كابن فهد والوحيد والمجاهد وشريف العلماء والشيرازي وأضرابهم. بالإضافة إلى أنها مختلف الزوار من كثير من الأقطار.. حتى يصل عدد الوافدين إليها في بعض الزيارات إلى المليون نسمة (كما في بعض الإحصاءات) ومورد علاقات مسلمي العالم البالغ عددهم ثلاثمائة مليون أو أكثر... فمن اللازم الاهتمام لترفيع هذا المستوى أداءً لبعض حق الإمام (عليه السلام) ووفاءً لشيء من الواجب الإسلامي والمسؤول منه سبحانه أن يوفّقنا جميعاً للخدمة بكل جد وإخلاص واستمرار إنه هو المستعان.
كربلاء المقدسة
محمد
1 ـ سورة الحج: الآية 32.
2 ـ سورة يس: الآية 30.
3 ـ الكافي: ج2، ص78.
4 ـ سورة الفتح: الآية 29.
5 ـ سورة آل عمران: الآية 103.
6 ـ الكافي: ج6، ص438.
إن ثورة الحسين (عليه السلام) لم تكن ثورة وقتية لتموت بعد زمان، وإنما كانت ثورة الحق ضد الباطل، وثورة العدالة ضد الظلم، وثورة الإنسانية ضد الوحشية، وثورة الهداية ضد الضلال، ولذا كان من الضروري، امتداد هذه الثورة مادامت الدنيا باقية، ومادام يتقابل جيشا الحق والباطل والهداية والضلالة، وهذا هو سرّ تحريض الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الكرام المسلمين على الاحتفال بذكرى عاشوراء طول الدهر، ومنه اتخذ المسلمون مجالس العزاء والحفلات التأبينية بمختلف أشكالها، طول الزمان، وإلى هذا يشير ما ينقل من أنه : (كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء). أما ألوان العزاء وكيفيات الذكرى فليست شيئاً محدداً، فلمن شاء أن يتخذ الشكل المناسب على شريطة أن لا يكون هناك نص خاص من الشريعة الإسلامية على تحريمه فمثلاً لا يحق للإنسان أن يتخذ الانتحار سبيلاً لذكرى الثورة ـ كما يتخذه البوذيون أحياناً للوصول إلى أهداف دينية، أو وطنية ـ لأن الإسلام نهى عن قتل النفس، أما ما لم يكن فيه نص خاص على التحريم، فذلك جائز بل مستحب لأنه من مصاديق قوله سبحانه: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)(1). أما استهزاء بعض الناس على بعض الشعائر، فغير ضار، فإن الناس استهزأوا بجميع الأنبياء كما في القرآن الحكيم : (يا حسرةً على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون)(2).
المنبر الحسيني
من وسائل امتداد ثورة الحسين (عليه السلام) وتركيز مبادئه في النفوس على طول الخط: (المنبر) ولذا اتخذه المسلمون، بعد استشهاد الإمام مباشرة إلى هذا اليوم وسيلةً لبث هذه الذكرى، ونعمت الوسيلة، لكن من الضروري أن نذكر لزوم توسعة المنابر وتعميقها، أما التوسعة : فذلك لأن البلاد الإسلامية كلها متعطّشة إلى من يفهّمها الإسلام ويبيّن لها مزاياه وخصوصياته، وذلك ليس في وقت خاص، بل في دائم الأوقات، فإن النفوس تحتاج إلى الغذاء المستمر، كما أن الأبدان تحتاج إلى الغذاء كل يوم.. والمقدار الموجود ـ في الحال الحاضر ـ من المنابر لا يكفي لسدّ عشر هذا الفراغ، ولذا يجب على كافة المسلمين التعاون في إيجاد خطباء واعين وتكوين مجالس كثيرة في طول البلاد وعرضها لأداء هذه المهمة الحيوية.. وذلك لأن الإمام الحسين (عليه السلام) إنما قام بنهضته المقدسة للإسلام وإعلاء كلمة الله، ومن المعلوم أن ذلك لا يتم إلا بأن يبين الخطيب ما يتصل بالإسلام من عقيدة، وتفسير، وتاريخ، وأحكام، وأخلاق، مبيناً منهج الإسلام في الجوانب المختلفة من الحياة من سياسة، واقتصاد وثقافة، وتربية، ومعاشرة، وأسرة، وما إليها كل ذلك مقروناً بالأدلة المعقولة الدالة على أفضلية الإسلام من سائر الأديان والمبادئ، والمناهج، والقوانين، وبمثل هذا يمكن رفع مستوى المسلمين كما يكون المنبر مؤدياً مهمته إذا روعي فيه هاتان الجهتان، وإنا إذ نكبر أهالي المنبر الأعاظم الذين يراعون هذه الجهة بكل دقة وإخلاص، نكتب هذا راجين أن يقتدي المبتدئون من أهل المنبر بهؤلاء.
استخدام الأجهزة الحديثة
لقد كانت وسيلة الثقافة سابقاً منحصرة في (المدارس الدينية) و(المنابر) و(الكتب) وكلها كانت مصبوغة بصبغة الإسلام، فكان المجتمع يتلقّى التعاليم الإسلامية من هذه الوسائل تلقائياً. أما اليوم فقد زيدت على تلك الوسائل السابقة، (المدارس الحديثة) و(الإذاعة) و(التلفزة) و(العارضة) و(الجرائد) و(المجلات) و(الاجتماعات الأخرى) فمن الضروري على المسلم أن يهتم لإدخال برامج الإسلام والمبادئ التي استشهد في سبيل تطبيقها الإمام الحسين (عليه السلام) في هذه الوسائل الحديثة، حتى تنتشر تلك المبادئ والأهداف في كل مدينة وقرية، ودار ومدرسة، ومعمل وثكنة.. فإن مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) خير من آراء (فرويد)، وثورته المقدسة أفضل من الثورة الفرنسية، إلى غيرهما مما أُقحِمَ في حياة المسلمين، وصبغت المناهج بصبغتها، ومن الغبن أن يستفيد الإنسان من الصناعات الحديثة مادياً، ولا يستفيد منها معنوياً.
المآتم الحسينية
من الواضح أنه تلزم المناسبة بين المظاهر والمقاصد فقد ورد: (كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم)(3) وعلى هذا فمن اللازم أن تتصف المآتم الحسينية والقائمون بها ـ بمختلف أنواع القيام من أصحاب المجالس، والعمال فيها، والمستمعين وأفراد المواكب، والقائمين بالهيئات، وغيرهم ـ بما أمر الإسلام إيجاباً، أو ندب إليه استحباباً من التحلي بالآداب الإسلامية، بإتيان الواجبات وترك المحرمات، والتخلّق بالأخلاق الفاضلة وتنزيه المجالس عن الوساخة والأشياء المزرية وتجنيب المواكب عن الأمور المنافية، وتنظيف المآتم وممر المواكب عن المنكرات، كالنساء المتبرجات والفتيات السافرات، والمواظبة على عدم قذارة الشوارع ومحلات مياه الشرب وأكواب الشاي والمبردات، وظروف الأطعمة وما إلى ذلك.. فإن الحسين (عليه السلام) إنما استشهد للإسلام، ولسان حاله: (إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي يا سيوف خذيني).
وفي إحدى زياراته المقدسة: (أشهد أنك طهر طاهر مطهر، من طهر طاهر مطهر طهرت وطهرت بك البلاد وطهرت أرض أنت بها وطهر حرمك) كما أن اللازم الاقتداء بالحسين (عليه السلام) في المواظبة على مواقيت الصلوات فلا يمتد المجلس أو الموكب بحيث يضر بالصلاة في أول الوقت، فقد قام الحسين (عليه السلام) لصلاة الجماعة، يوم عاشوراء، والسهام تترامى عليه وعلى أصحابه كرشق المطر. ومن الضروري تجنيب المواكب والمجالس وما إليها من أسباب التفرقة والشحناء والتباغض، فقد قال ســـبحانه: (أشداء على الكـــفار رحماء بينهم)(4) وقال: (واعـــتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)(5).
خدمة الإسلام بخدمة الحسين (عليه السلام)
يلزم على المسلم أن يخدم الإسلام بخدمة الإمام الحسين (عليه السلام)، فإنه وسيلة لنشر الإسلام، لو عرفنا كيف نستفيد من هذه الطاقة الهائلة، فإن الروحية التي تبعثها معنوية الحسين (عليه السلام) أكثر من كل طاقة روحية عرفتها البشرية من آدم أبي البشر إلى هذا اليوم ـ وهذا غير مقام الأفضلية التي تجعل الحسين (عليه السلام) في الدرجة الخامسة منها ـ ألا ترى أن المسلم يتمكن أن يجمع الناس حول مظلومية الحسين (عليه السلام) بنحو لا يتمكن أن يجمعهم باسم من عداه، فإنك لو ذكرت قصة الطفل الرضيع (عبد الله) لأقسى الناس قلباً، وأبعد الناس عن الإسلام ونبي الإسلام، لابد وأن يرقّ قلبه وتجري دمعته، وفي هذه الحالة تؤثر العِظة والإرشاد فإن القلب إذا لان كان قابلاً لكل هداية وإصلاح، وقد حدّثني أحد تجار أفريقيا، وكان خطيباً في نفس الوقت أنه مر ذات يوم من أيام محرم، بقرية من تلك القارة فرأى مأتماً منعقداً ولما تبين الأمر ظهر أنهم عبّاد صنم وإنما يعقدون شبه مأتم لذكرى الحسين تقليدياً، قال: فصعدت المنبر، وقلت لهم:
إن الحسين جاء إلى هذه القرية لكن جد الحسين ومبادئه لم يأتيا إلى هذه القرية، فهيا بنا نجعل الحسين واسطة مجيء جده ومبادئه.. ثم شرعت في بيان التوحيد والنبوة والمعاد، وسائر أصول الإسلام وفروعه، وببركة الحسين (عليه السلام) انقلبت القرية مسلمة بعد أن كانت كافرة.
ونرى أن غير المسلمين يحضرون مجالس العزاء وأحسن شاهد لذلك، المآتم المنتشرة في الهند وباكستان وأفريقيا وما إليها.. وقد نقل لي أحد علماء (كراجي) أن قسيساً قال له : (لو كان لنا حسينكم فقط، لتمكّنا من تنصير العالم تحت لوائه. بأن نرفع علماً باسم الحسين في كل مكان ونجمع الناس حوله، ثم نبشّرهم بمبادئنا، لكنكم معاشر المسلمين لا تعرفون كيف تستفيدون من الحسين في الغايات التبشيرية).
ومثلنا مثل تاجر له ملايين الدنانير، لكن لا يعرف كيف يتّجر وإن مثل مأساة الإمام ـ ولا مناقشة في الأمثال ـ كمثل معدن زيت تحت الأرض، لا يستفيد الإنسان منه، ويبقى في الظلمة طول ليله، ولعل المقدار الذي مستفاد منه في الأغراض التبليغية من مأساة الإمام أبعد في النسبة من الواحد إلى المليون.
عطلة عشرة محرم
ينبغي للمسلمين أن يتخذوا عشرة محرم تعطيلاً عاماً وأحزاناً، اقتداءً بالأئمة الطاهرين، كما في بعض الأحاديث ـ فيجعلوا البلاد الإسلامية قطعة من السواد والأعلام والمصابيح الحمر والمآتم والمواكب وما أشبه، كل ذلك بقصد غرس الإسلام ونشر أحكامه وتركيز العقيدة في نفوس المسلمين وجلب انتباه غير المسلمين إلى ما للإسلام من مبادئ حيّة ومزايا ـ وأخيراً جلبهم إلى حوزة المسلمين كما نرى المسيحيين يفعلون ذلك بالنسبة إلى (عيد الميلاد) ومن المعلوم أن تأثير الأحزان في النفس أكثر من تأثير الأفراح ـ كما ثبت في علم النفس ـ وحيث أدرك هذه الحقيقة الملحدون والمستعمرون فإنهم أرادوا بكل وسيلة القضاء على هذه الشعائر والمآتم، ففي جملة من الأقطار الإسلامية منعوا هذه الأمور قبل نصف قرن تقريباً ـ على أيدي عملائهم ـ كما أن أحد كبراء زعماء الإلحاد لما قيل له: (إن جلاوزته تمكنوا من القضاء على عشرات المئات من الخطباء ورجال الدين) قال: (هذا لا يفيد، وإنما المفيد القضاء على كربلاء فما دام الحسين موجوداً في النفوس يتكون الخطباء والوعّاظ، ويبقى الإسلام والعقيدة).
كربلاء المقدسة
إن كربلاء المقدسة ـ بما أنها مدينة الحسين (عليه السلام) ـ يجب أن تكون شعلة من العلم والثقافة والعمل والجهاد، والفضيلة والأخلاق والطهارة والنظافة وحسن المعاشرة والمعاملة والتبشير والتبليغ والإرشاد والهداية، حتى تحكي عن مبادئ الحسين (عليه السلام) وأهدافه، وحتى تكون مدينة مثالية تقتدي بها سائر المدن، ولذا يجب أن تتعاون القوى في داخل البلدة وخارجها لطهارة البلدة معنوياً وتعميرها وتجميلها مادياً، بما يليق بكرامتها، فقد ورد في الحديث: (إن الله جميل يحب الجمال)(6).
ثم بعد ذلك يأتي دور تقوية المرافق العلمية والدينية لتكون مشعلاً للعلم والدين، وتليها النجف الأشرف مدينة الإمام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) جامعة الإسلام الكبرى، وموئل العلماء والمفكرين.
فإن المرافق الموجودة فعلاً لعلها تكون أقل من العشر بالنسبة إلى المقدار اللائق بمثل هذه المدينة المقدسة.. أما المرافق الموجودة فعلاً فهي: (1) عشرون مدرسة دينية. (2) عشر نشرات شهرية. (3) ما يقارب السبعمائة من أهل العلم بما فيهم العالم والخطيب، وإمام الجماعة والمؤلف والشاعر، والأديب، والطالب والمدرس ومن أشبه (4) زهاء أربعين مكتبة للمطالعة ـ بما فيها الكبيرة والصغيرة ـ . (5) زهاء ثلاثين مكتبة للبيع. (6) ما يقارب مائتي مسجد. (7) أكثر من مائة حسينية. (8) ما يقارب الألف وخمسمائة من تلاميذ المدارس الأهلية بما فيهم حفّاظ القرآن الحكيم والحافظات وطلاب مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام). (9) عدد لا بأس به من حلقات التجويد والمسائل والجمعيات والهيئات وما أشبه.
(10) جملة من المشاريع الأخرى كهيئة التبليغ الإسلامي السيار، ودار النشر والتوجيه الديني والمؤسسات الثقافية ورابطة النشر الإسلامي والنشرات التي تصدر في المناسبات ومجالس العزاء الكثيرة التي تعقد طول السنة بكثرة هائلة والاحتفالات الدينية التي تقام بالمناسبات وفي مقدمتها الحفلة الكبرى التي تعقد سنوياً بمناسبة ميلاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في ثالث عشر رجب ومجالس الإرشاد والتي تتكون بمناسبة الزيارات إلى أمثال هذه الأمور. ومن المعلوم أن هذا القدر قليل بالنسبة إلى المدينة التي هي مثوى سيد الشهداء وأهله وصحبه الكرام ومدفن أبطال الولاء والعلم والجهاد كابن فهد والوحيد والمجاهد وشريف العلماء والشيرازي وأضرابهم. بالإضافة إلى أنها مختلف الزوار من كثير من الأقطار.. حتى يصل عدد الوافدين إليها في بعض الزيارات إلى المليون نسمة (كما في بعض الإحصاءات) ومورد علاقات مسلمي العالم البالغ عددهم ثلاثمائة مليون أو أكثر... فمن اللازم الاهتمام لترفيع هذا المستوى أداءً لبعض حق الإمام (عليه السلام) ووفاءً لشيء من الواجب الإسلامي والمسؤول منه سبحانه أن يوفّقنا جميعاً للخدمة بكل جد وإخلاص واستمرار إنه هو المستعان.
كربلاء المقدسة
محمد
1 ـ سورة الحج: الآية 32.
2 ـ سورة يس: الآية 30.
3 ـ الكافي: ج2، ص78.
4 ـ سورة الفتح: الآية 29.
5 ـ سورة آل عمران: الآية 103.
6 ـ الكافي: ج6، ص438.
أبعاد ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام)(*)
أبعاد ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام)(*)
سري سمور ـ كاتب عربي من فلسطين
واقعة الطفِّ ، ثورة الحسين (عليه السّلام) ومسيرته من الحجاز إلى العراق ، استشهاد الحسين (عليه السّلام) في كربلاء , كلها عناوين تجبر المرء على تغليب العاطفة ، والكتابة تحتها بدموع العين لا مداد القلم ، ولكنّي هنا سأحاول وضع العقل والمنطق في تزاوج مع العاطفة الجيّاشة .
خطأ في التقييم :
هناك العديد من الناس يقعون في خطأ ـ اُصنّفه بالكبير ـ حين يحصرون ثورة الحسين (عليه السّلام) بتاريخ معين ، أو يغضّون البصر عنها ؛ لأنها ـ حسب تصوراتهم ـ تخصّ طائفة معينة .
إنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) واستشهاده في كربلاء تخص كلَّ العرب ، وكلَّ المسلمين ، والإنسان المدافع عن الحق , والرافض للظلم مهما كانت عقيدته ومذهبه وقوميّته .
إنّ ثورة الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) تمثّل نموذجاً فريداً سيظل حيّاً إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها ، أمّا في الآخرة فقد أخذ البشرى من جدّه الأعظم بأنه سيد شباب أهل الجنة مع أخيه الحسن (عليهما السّلام) .
الحسين (عليه السّلام) جسّد رفض الخلافة بالغلبة ، ومبدأ توريث الحكم للأبناء بمفهوم عصرنا . لقد رأى أنّ في الاُمّة مَن هو أصلح من يزيد بن معاوية لإدارة شؤون الاُمّة ، واستشعر أنه هو هذا الشخص . كيف لا وهو التقي , الزكي , العابد , المجاهد , الصالح , البعيد عن الظلم والطغيان , الطاهر من المعاصي والآثام .
إنها صفات الحسين (عليه السّلام) , الرجل والإنسان ، يضاف إليها أنه سبط النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وابن فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ريحانة نبي الرحمة ، ووالده عليّ (كرّم الله وجهه) الذي أسلم ولم يسجد لصنم , وتربّى في حجر النبي(ص) , ونام في فراشه ليلة الهجرة ، وشارك في غزوات المسلمين ، وأبلى بلاءً نعرفه وقرأنا عنه منذ نعومة أظافرنا .
ولا يتّسع المقام لسرد مناقب الإمام عليّ (عليه السّلام) , ولكن الحسين (عليه السّلام) لم يقف عند حسبه ونسبه , وعند ورعه وتقواه ومحبة الناس له , بل لم يقف عند البشرى بالجنة ولو مات على فراشه ، فانطلق ثائراً ليسطّر ملحمة من ملاحم البطولة ، ويكتب بدمه الطاهر رسالة تتناقلها الأجيال , ويفتخر بها التاريخ ؛ ليعطي لنا درساً عظيماً في التضحية والفداء , والبذل والوقوف في وجه الظالمين والطغاة .
إنّ القول بأن واقعة الطف حدث عابر , وأمر انتهى , ولا يجوز الوقوف عنده هو خطأ في تقييم الواقعة وقراءة تفاصيلها ودلالاتها ، والقول إن الأمر يتعلق بفئة أو ملّة دون اُخرى أو حتّى حصر الأمر بالعرب أو المسلمين لهو ظلم جديد يُرتكب بعد 14 قرناً من رحيل الحسين (عليه السّلام) شهيداً .
وأمّا بعض الجهلة أو المتحذلقين الذين يقولون : (سيدنا يزيد) , في تزاوج مع قول : (سيدنا الحسين) , فيجب أن يتّقوا الله فيما يصدر عنهم من كلام . يزيد سيد من يرضى الذل والهوان , وسيد من أعماه عن حبِّ الله ورسوله حبُّه للدرهم والدينار ، ولا أعذار يمكن أن تقبل لهذا الوصف .
عالمية الثورة
إنها ثورة عربيّة , فلقد عرف عن العرب إباؤهم وأنفتهم وعدم رضوخهم لأي ذلٍّ يحاول أن يمسهم من أي كان . لقد سمعنا وقرأنا عن عمرو بن كلثوم التغلبي وكيف أطاح برأس عمرو بن هند لمّا شعر أنّ اُمَّ الأخير تريد المساس باُمّه ليلى بنت المهلهل ، وكان هذا في الجاهليّة ، فكيف ـ بعد الإسلام دين الحرية والعدالة ـ يرضى عربي حرّ أن يتولّى أمره يزيد وعبيد الله بن زياد ؟!
هي ثورة إسلاميّة ؛ لأنّ الإسلام لا يقبل أن يسوس العصاة وشاربي الخمور اُمّة حية وحاملة رسالة للناس , والإسلام يرفض مبدأ حكم الغلبة والبيعة بالإكراه , والإسلام يكرّم الذين يُقتلون ظلماً ؛ باعتبارهم أحياء عند ربهم يرزقون , والله سبحانه وتعالى قد حرم الظلم على نفسه , وجعله محرّماً بين عباده . فأي ظلم أكبر من أن يأتي يزيد أو من هم على شاكلته كي يديروا شؤون الرعية والله تعالى قال : (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمّا ظَلَمُوا) ، ولم يقل لمّا كفروا ؟!
هي ثورة إنسانيّة ؛ لأنّ النفس السوية ترفض الظلم , وتكره الطغاة , وتسعى إلى العدالة بين الناس , بغضّ النظر عن معتقداتهم ومذاهبهم .
وهذا الراهب النصراني (ميلانصو) يرى النور يشع من رأس الحسين (عليه السّلام) المحمول في طريقه إلى قصر يزيد في دمشق ، فيأخذ الرأس من حامليه ؛ ليمسح عنه التراب , ويغسله بماء الورد , معاتباً ومؤنّباً القتلة على فعلتهم . ميلانصو كان راهباً نصرانياً ، وسرجون كان نصرانياً يعمل مستشاراً لدى يزيد , وهو (سرجون) من نصح بتولية ابن زياد .
لقد أعماه حقده فكان في صفِّ الظالم على المظلوم . إنّ أحرار المسيحيِّين ليتشرفون بميلانصو , ويشمئزون من سرجون , رغم أن هذا وذاك ينتميان لذات الدين ، فطرت النفس الإنسانيّة على بغض الظلم ونبذ الطغيان , ولكنها إذا انحرفت أودت صاحبها إلى شتّى ألوان الإجرام أيّاً كان معتقده أو قوميته أو وطنه .
وفي سياق الحديث عن عالمية ثورة الحسين (عليه السّلام) فقد زار الصين يوماً أحد قادة منظمة التحرير الفلسطينيّة , والتقى الزعيم (ماوتسي تونغ) , فقال الأول لماوتسي : علّمني النضال .
فردّ ماوتسي : كيف اُعلّمك وعندكم ثورة الحسين بن علي ومعركة كربلاء ؟!
إنّ هذه الواقعة لهي ملهمة لكلِّ الثائرين في وجه الظلم , الساعين إلى العدالة والحق والاستقامة .
رسالة أكبر من كلِّ الكلام
الحسين بن علي (عليه السّلام) كريم ابنُ كريم ، طاهر ابن طاهرة ، أصيلٌ من نسب أصيل ، يُقتل وتُسبى نساؤه , ويُجزّ رأسه , ويُحمل إلى الشام دون أن يجد ناصراً له ، يصرخ : (( ألا هل من ناصر ينصرني ؟ )) .
لقد عرف أنّ جيش يزيد يريد رأسه , وعرف أنّ الناس يريدون تركه لمصيره ؛ لأنّ المعدة غلبت الضمير ؛ لأن المال والعطايا طغت على المبادئ والمُثل النبيلة , فكان حالهم (قلوبُهم معك وسيوفُهم مع بني اُميّة) ! ولكنه وجّه كلامه للأجيال القادمة كي تحمل الراية ، وتقود حرباً لا هوادة فيها ضد الطغاة أيّاً كانوا , وتحت أي راية تخفّوا ؛ فإنّ لهم صفةً واحدة هي الظلم .
باستشهاد الحسين (عليه السّلام) أصبح العرب والمسلمون والإنسانيّة الحرة أمام مسؤولية كبيرة , فلا أحد منّا يستطيع الزعم أنّ له شرفاً عظيماً كشرف الحسين (عليه السّلام) , أو مقاماً كمقامه . ورغم ذلك حدث للحسين وأهله (عليهم السّلام) ما تقشعرّ له الأبدان ، فكيف يبرّر المنهزمون المتخاذلون عن نصرة الحق هزيمتهم وتخاذلهم ؟!
كيف الوفاء ؟
جميل أن نحيي ذكرى الحسين (عليه السّلام) ، بل أن نبكي عليه في ذكراه ، ونقيم المحاضرات والندوات ، وبيوت العزاء ، ونستغل الفرصة لجعل هذه الذكرى لنا جميعاً , وعدم التناكف وحصرها في إطار مذهبي ضيق . ولكن ما فائدة البكاء والوقوف على الأطلال ممن يتحالف مع الأعداء والطغاة , ثم يأتي مدّعياً حبه للحسين (عليه السّلام) ؟!
ولعمري قول القائل :
يا من رأى حبَّ الحُسين تشيّعاً إن الـتـشيّع ثـورةٌ وجـهادُ
ثـار الحسينُ على يزيد لفسقِهِ ولـقد غـزانا الكفرُ والإلحادُ
وكيف يرضى من يدّعي نسباً بالحسين (عليه السّلام) بأن يخون المبادئ التي قضى الحسين (عليه السّلام) نحبه من أجلها ؟!
إنّ الوفاء الحقيقي للحسين (عليه السّلام) يكون بالتمسّك بالمبادئ التي اجتزّ رأسه في سبيلها . الوفاء للحسين (عليه السّلام) بالسير على نهجه ونهج أصحابه في الوقوف في وجه الطغيان , ودرء الظلم عن الناس ، بغض النظر عن (موازين القوى) . الوفاء للحسين (عليه السّلام) باستشعار بذله للغالي والنفيس من نفس ومال , وعدم القبول بالذلة حين صرخ صرخةً صادقة معبرة : (( هيهات منّا الذلة ! )) .
والحقيقة أنّ هناك من التزم بالوفاء وسار على النهج , وأترك ذكر الأسماء ؛ لأننا نعرفها . ولكن ثورة العشرين حاضرة بمفجّر فتيلها في وجه الغزاة الإنجليز للعراق , والمقاومة اللبنانية التي دحرت الاحتلال عن أرض لبنان , وأصرّت على تحرير كل لبناني مقاوم ـ بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الطائفي ـ من قيود الأسر ، وغير ذلك من النماذج العظيمة التي نرجو أن نراها تتكرر , وهي بحمد الله تتكرر كلّما حلَّ الظلام ؛ لتبثّ نورها الساطع الصادق , معلنة أنّ الظلام ليس قدر الاُمّة , وأنّ دماء الحسين (عليه السّلام) لا تزال تشع لنا النور الذي نسير عليه في حربنا مع الظالمين .
والوفاء للحسين (عليه السّلام) يكون بعدم إغفال التربية السليمة الصحيحة القائمة على غرس المُثل والقيم النبيلة في المرء , بحيث لا يتخلّى عن هذه المبادئ تحت أي ظرف ؛ لأننا رأينا في سيرة وقعة الطفِّ كيف أنّ من يتخلّى عن المُثل وينبذ القيم يتحوّل إلى وحش بشع .
هؤلاء الذين يعرفون فضل الحسين (عليه السّلام) ونسبه , ورأوا على رأسه عمامة جدّه لم يتورّعوا عن قتله بلا رحمة مع طفليه الرضيعين , وأن يمثّلوا بجثمانه الطاهر بكلِّ خسة ونذالة وحقارة ، لماذا ؟ لأنهم بلا مُثل ولا قيم أو أخلاق , فاستزلّهم الشيطان ؛ لتكون (تذكرة) دخولهم جهنم دماء خير من حوت الأرض في وقتها , وبئس الورد المورود !
في ذكرى استشهاد الحسين وأولاده وأخيه العباس وأصحابه (عليهم السّلام) أقول :
السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين
السلام على أبنائك , وعلى أصحابك وأنصارك
السلام على مَن سار على نهجك إلى يوم الدين
السلام على من بقي وفيّاً لدمائك ومبادئك
الخزي والعار والشنار لكلِّ مَن خان مبادئك ممّن ادّعى أنه ينتسب إليك !
وليفضح الله كلَّ من ادّعى حبك وساير أيَّ (نسخة) عن يزيد في عصرنا !
سري سمور ـ كاتب عربي من فلسطين
واقعة الطفِّ ، ثورة الحسين (عليه السّلام) ومسيرته من الحجاز إلى العراق ، استشهاد الحسين (عليه السّلام) في كربلاء , كلها عناوين تجبر المرء على تغليب العاطفة ، والكتابة تحتها بدموع العين لا مداد القلم ، ولكنّي هنا سأحاول وضع العقل والمنطق في تزاوج مع العاطفة الجيّاشة .
خطأ في التقييم :
هناك العديد من الناس يقعون في خطأ ـ اُصنّفه بالكبير ـ حين يحصرون ثورة الحسين (عليه السّلام) بتاريخ معين ، أو يغضّون البصر عنها ؛ لأنها ـ حسب تصوراتهم ـ تخصّ طائفة معينة .
إنّ ثورة الحسين (عليه السّلام) واستشهاده في كربلاء تخص كلَّ العرب ، وكلَّ المسلمين ، والإنسان المدافع عن الحق , والرافض للظلم مهما كانت عقيدته ومذهبه وقوميّته .
إنّ ثورة الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) تمثّل نموذجاً فريداً سيظل حيّاً إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها ، أمّا في الآخرة فقد أخذ البشرى من جدّه الأعظم بأنه سيد شباب أهل الجنة مع أخيه الحسن (عليهما السّلام) .
الحسين (عليه السّلام) جسّد رفض الخلافة بالغلبة ، ومبدأ توريث الحكم للأبناء بمفهوم عصرنا . لقد رأى أنّ في الاُمّة مَن هو أصلح من يزيد بن معاوية لإدارة شؤون الاُمّة ، واستشعر أنه هو هذا الشخص . كيف لا وهو التقي , الزكي , العابد , المجاهد , الصالح , البعيد عن الظلم والطغيان , الطاهر من المعاصي والآثام .
إنها صفات الحسين (عليه السّلام) , الرجل والإنسان ، يضاف إليها أنه سبط النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وابن فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ريحانة نبي الرحمة ، ووالده عليّ (كرّم الله وجهه) الذي أسلم ولم يسجد لصنم , وتربّى في حجر النبي(ص) , ونام في فراشه ليلة الهجرة ، وشارك في غزوات المسلمين ، وأبلى بلاءً نعرفه وقرأنا عنه منذ نعومة أظافرنا .
ولا يتّسع المقام لسرد مناقب الإمام عليّ (عليه السّلام) , ولكن الحسين (عليه السّلام) لم يقف عند حسبه ونسبه , وعند ورعه وتقواه ومحبة الناس له , بل لم يقف عند البشرى بالجنة ولو مات على فراشه ، فانطلق ثائراً ليسطّر ملحمة من ملاحم البطولة ، ويكتب بدمه الطاهر رسالة تتناقلها الأجيال , ويفتخر بها التاريخ ؛ ليعطي لنا درساً عظيماً في التضحية والفداء , والبذل والوقوف في وجه الظالمين والطغاة .
إنّ القول بأن واقعة الطف حدث عابر , وأمر انتهى , ولا يجوز الوقوف عنده هو خطأ في تقييم الواقعة وقراءة تفاصيلها ودلالاتها ، والقول إن الأمر يتعلق بفئة أو ملّة دون اُخرى أو حتّى حصر الأمر بالعرب أو المسلمين لهو ظلم جديد يُرتكب بعد 14 قرناً من رحيل الحسين (عليه السّلام) شهيداً .
وأمّا بعض الجهلة أو المتحذلقين الذين يقولون : (سيدنا يزيد) , في تزاوج مع قول : (سيدنا الحسين) , فيجب أن يتّقوا الله فيما يصدر عنهم من كلام . يزيد سيد من يرضى الذل والهوان , وسيد من أعماه عن حبِّ الله ورسوله حبُّه للدرهم والدينار ، ولا أعذار يمكن أن تقبل لهذا الوصف .
عالمية الثورة
إنها ثورة عربيّة , فلقد عرف عن العرب إباؤهم وأنفتهم وعدم رضوخهم لأي ذلٍّ يحاول أن يمسهم من أي كان . لقد سمعنا وقرأنا عن عمرو بن كلثوم التغلبي وكيف أطاح برأس عمرو بن هند لمّا شعر أنّ اُمَّ الأخير تريد المساس باُمّه ليلى بنت المهلهل ، وكان هذا في الجاهليّة ، فكيف ـ بعد الإسلام دين الحرية والعدالة ـ يرضى عربي حرّ أن يتولّى أمره يزيد وعبيد الله بن زياد ؟!
هي ثورة إسلاميّة ؛ لأنّ الإسلام لا يقبل أن يسوس العصاة وشاربي الخمور اُمّة حية وحاملة رسالة للناس , والإسلام يرفض مبدأ حكم الغلبة والبيعة بالإكراه , والإسلام يكرّم الذين يُقتلون ظلماً ؛ باعتبارهم أحياء عند ربهم يرزقون , والله سبحانه وتعالى قد حرم الظلم على نفسه , وجعله محرّماً بين عباده . فأي ظلم أكبر من أن يأتي يزيد أو من هم على شاكلته كي يديروا شؤون الرعية والله تعالى قال : (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمّا ظَلَمُوا) ، ولم يقل لمّا كفروا ؟!
هي ثورة إنسانيّة ؛ لأنّ النفس السوية ترفض الظلم , وتكره الطغاة , وتسعى إلى العدالة بين الناس , بغضّ النظر عن معتقداتهم ومذاهبهم .
وهذا الراهب النصراني (ميلانصو) يرى النور يشع من رأس الحسين (عليه السّلام) المحمول في طريقه إلى قصر يزيد في دمشق ، فيأخذ الرأس من حامليه ؛ ليمسح عنه التراب , ويغسله بماء الورد , معاتباً ومؤنّباً القتلة على فعلتهم . ميلانصو كان راهباً نصرانياً ، وسرجون كان نصرانياً يعمل مستشاراً لدى يزيد , وهو (سرجون) من نصح بتولية ابن زياد .
لقد أعماه حقده فكان في صفِّ الظالم على المظلوم . إنّ أحرار المسيحيِّين ليتشرفون بميلانصو , ويشمئزون من سرجون , رغم أن هذا وذاك ينتميان لذات الدين ، فطرت النفس الإنسانيّة على بغض الظلم ونبذ الطغيان , ولكنها إذا انحرفت أودت صاحبها إلى شتّى ألوان الإجرام أيّاً كان معتقده أو قوميته أو وطنه .
وفي سياق الحديث عن عالمية ثورة الحسين (عليه السّلام) فقد زار الصين يوماً أحد قادة منظمة التحرير الفلسطينيّة , والتقى الزعيم (ماوتسي تونغ) , فقال الأول لماوتسي : علّمني النضال .
فردّ ماوتسي : كيف اُعلّمك وعندكم ثورة الحسين بن علي ومعركة كربلاء ؟!
إنّ هذه الواقعة لهي ملهمة لكلِّ الثائرين في وجه الظلم , الساعين إلى العدالة والحق والاستقامة .
رسالة أكبر من كلِّ الكلام
الحسين بن علي (عليه السّلام) كريم ابنُ كريم ، طاهر ابن طاهرة ، أصيلٌ من نسب أصيل ، يُقتل وتُسبى نساؤه , ويُجزّ رأسه , ويُحمل إلى الشام دون أن يجد ناصراً له ، يصرخ : (( ألا هل من ناصر ينصرني ؟ )) .
لقد عرف أنّ جيش يزيد يريد رأسه , وعرف أنّ الناس يريدون تركه لمصيره ؛ لأنّ المعدة غلبت الضمير ؛ لأن المال والعطايا طغت على المبادئ والمُثل النبيلة , فكان حالهم (قلوبُهم معك وسيوفُهم مع بني اُميّة) ! ولكنه وجّه كلامه للأجيال القادمة كي تحمل الراية ، وتقود حرباً لا هوادة فيها ضد الطغاة أيّاً كانوا , وتحت أي راية تخفّوا ؛ فإنّ لهم صفةً واحدة هي الظلم .
باستشهاد الحسين (عليه السّلام) أصبح العرب والمسلمون والإنسانيّة الحرة أمام مسؤولية كبيرة , فلا أحد منّا يستطيع الزعم أنّ له شرفاً عظيماً كشرف الحسين (عليه السّلام) , أو مقاماً كمقامه . ورغم ذلك حدث للحسين وأهله (عليهم السّلام) ما تقشعرّ له الأبدان ، فكيف يبرّر المنهزمون المتخاذلون عن نصرة الحق هزيمتهم وتخاذلهم ؟!
كيف الوفاء ؟
جميل أن نحيي ذكرى الحسين (عليه السّلام) ، بل أن نبكي عليه في ذكراه ، ونقيم المحاضرات والندوات ، وبيوت العزاء ، ونستغل الفرصة لجعل هذه الذكرى لنا جميعاً , وعدم التناكف وحصرها في إطار مذهبي ضيق . ولكن ما فائدة البكاء والوقوف على الأطلال ممن يتحالف مع الأعداء والطغاة , ثم يأتي مدّعياً حبه للحسين (عليه السّلام) ؟!
ولعمري قول القائل :
يا من رأى حبَّ الحُسين تشيّعاً إن الـتـشيّع ثـورةٌ وجـهادُ
ثـار الحسينُ على يزيد لفسقِهِ ولـقد غـزانا الكفرُ والإلحادُ
وكيف يرضى من يدّعي نسباً بالحسين (عليه السّلام) بأن يخون المبادئ التي قضى الحسين (عليه السّلام) نحبه من أجلها ؟!
إنّ الوفاء الحقيقي للحسين (عليه السّلام) يكون بالتمسّك بالمبادئ التي اجتزّ رأسه في سبيلها . الوفاء للحسين (عليه السّلام) بالسير على نهجه ونهج أصحابه في الوقوف في وجه الطغيان , ودرء الظلم عن الناس ، بغض النظر عن (موازين القوى) . الوفاء للحسين (عليه السّلام) باستشعار بذله للغالي والنفيس من نفس ومال , وعدم القبول بالذلة حين صرخ صرخةً صادقة معبرة : (( هيهات منّا الذلة ! )) .
والحقيقة أنّ هناك من التزم بالوفاء وسار على النهج , وأترك ذكر الأسماء ؛ لأننا نعرفها . ولكن ثورة العشرين حاضرة بمفجّر فتيلها في وجه الغزاة الإنجليز للعراق , والمقاومة اللبنانية التي دحرت الاحتلال عن أرض لبنان , وأصرّت على تحرير كل لبناني مقاوم ـ بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الطائفي ـ من قيود الأسر ، وغير ذلك من النماذج العظيمة التي نرجو أن نراها تتكرر , وهي بحمد الله تتكرر كلّما حلَّ الظلام ؛ لتبثّ نورها الساطع الصادق , معلنة أنّ الظلام ليس قدر الاُمّة , وأنّ دماء الحسين (عليه السّلام) لا تزال تشع لنا النور الذي نسير عليه في حربنا مع الظالمين .
والوفاء للحسين (عليه السّلام) يكون بعدم إغفال التربية السليمة الصحيحة القائمة على غرس المُثل والقيم النبيلة في المرء , بحيث لا يتخلّى عن هذه المبادئ تحت أي ظرف ؛ لأننا رأينا في سيرة وقعة الطفِّ كيف أنّ من يتخلّى عن المُثل وينبذ القيم يتحوّل إلى وحش بشع .
هؤلاء الذين يعرفون فضل الحسين (عليه السّلام) ونسبه , ورأوا على رأسه عمامة جدّه لم يتورّعوا عن قتله بلا رحمة مع طفليه الرضيعين , وأن يمثّلوا بجثمانه الطاهر بكلِّ خسة ونذالة وحقارة ، لماذا ؟ لأنهم بلا مُثل ولا قيم أو أخلاق , فاستزلّهم الشيطان ؛ لتكون (تذكرة) دخولهم جهنم دماء خير من حوت الأرض في وقتها , وبئس الورد المورود !
في ذكرى استشهاد الحسين وأولاده وأخيه العباس وأصحابه (عليهم السّلام) أقول :
السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين
السلام على أبنائك , وعلى أصحابك وأنصارك
السلام على مَن سار على نهجك إلى يوم الدين
السلام على من بقي وفيّاً لدمائك ومبادئك
الخزي والعار والشنار لكلِّ مَن خان مبادئك ممّن ادّعى أنه ينتسب إليك !
وليفضح الله كلَّ من ادّعى حبك وساير أيَّ (نسخة) عن يزيد في عصرنا !
من وحي الثورة الحسينيّة
من وحي الثورة الحسينيّة
دارُ القَلَم
بيروت ـ لبنان
===============
( 4 )
===============
( 5 )
من وحي الثورة الحسينية
يعرض هذا الكتاب صوراً عن مواقف الحسين (عليه السلام) من الحاكمين قبل ثورته وأهداف الثورة بعد أن وجد لها المناخ المناسب كما يقدم صوراً عن بطولات العقيلة زينب بنت علي والعلويين والطالبيين وعن حياة العقيلة منذ طفولتها حتى فاربقت الدنيا وعن مرقدها والمآثم الحسينية والمراحل التي مرت بها ومواقف الحاكمين منها معتمداً أوثق المصادر وأقربها من المنطق والواقع لإبراز هذه الجوانب من سيرة أهل البيت علي واقعها وأرجو أن أكون قد وفقت لذلك .
هاشم معروف الحسني
===============
( 6 )
===============
( 7 )
المقدمة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيِم
والصلاة والسلام على محمد وآله والأئمة الهداة المهديين ورحمته وبركاته . وبعد فإن المتتبع في بطون الأسفار والمصادر يجد الكثير من الأبطال وعظماء الرجال الذين دفعهم دينهم وإيمانهم إلى الجهر بكلمة الحق والدعوة إلى العدالة باقتحام ميادين الجهاد والثورة على الظلم هنا وهناك لينالوا شرف الدفاع عن عقيدتهم والمعذبين في الأرض من جور الطغاة وفراعنة العصور ولو أدى ذلك إلى استشهادهم والتضحية بكل ما يملكون ولقد سجل التاريخ عشرات الثورات والانتفاضات لأولئك الأبطال المجاهدين وتحدث عن انتصاراتهم ومنجزاتهم ولكنه لم يحدث عن ثورة في تاريخ الشعوب والأمم عاشت كما عاشت ثورة
===============
( 8 )
الحسين وكان لها من الضجة في عالمها وما بعده في كل زمان ومكان ما كان لثورة الحسين ، وأعطت وقدمت للإنسان المسلم وغيره من المنجزات والقيم والمثل العليا ما اعطته وقدمته ثورة الحسين ولا تزال حية تعكس تفاعل الأمة مع التاريخ في تحرك وعطاء مستمر في حاذر المسلمين كما كانت في ماضيهم الغابر وأغنت بعطائها وأفكارها وأهدافها النبيلة تاريخ الإسلام كما كشفت زيف أدعيائه والمتخذين منه ستاراً يخفون وراءه ما يضمرونه من شرك وشر وسوء لدعاته المخلصين ، ولم يكن ذاك إلا لأنها لم تكن لعصر دون عصر ولا لفئة من الناس دون فئة كما لم تكن وليدة ظروف طارئة أو تحركات سياسية محدودة الآثار والدوافع وبعيدة عن احاسيس الأمة وانفعالاتها ، بل كانت النور الساطع للمسلمين في جميع تحركاتهم الهادفة لإتمام المسيرة بالإسلام إلى الهدف الاسمى والغاية القصوى التي ارسل محمد بن عبدالله رسول الرحمة والكرامة والحريف من اجلها ، وكانت المرآة الصافية للحاضر الذي كانت تعيشه الأمة ولواقعها الذي كانت ترسف في أغلاله والحقيقة الدائمة التي تتصل بالتكوين الدائم لعقل الإنسان وقلبه ومجتمعه وتلبي جميع حاجاته وطموحاته .
انها الثورة الوحيدة من بين تلك الثورات والإتنفاضات التي عبأت الإنسان المسلم وغيره منذ حدوثها ودفعت به في الطريق الدامي الطويل طريق النضال والتحرير من الاستغلال والاستعباد والتسلط وأسهمت ولا تزال تسهم بدور هام في تكوين الشخصية الثقافية والاجتماعية والسياسية بعد أن كان المسلمون يوم ذاك يفقدون حريتهم وروحهم النضالية وحتى وجودهم بفعل سياسة الحاكمين الأمويين ، ولدقمت مع ذلك للأمة نماذج من القيادات والاتباع ترسم لها مواقعها في مواجهة الأحداث والمواقف التي تعترض طريقها في مسيرتها نحو المستقبل الأفضل والمجتمع الافضل ، واستمرت تلك القيادات في مسيرتها بالرغم مما كان
===============
( 9 )
يعترضها من انتكاسات تعرقل مسيرتها وأحيانا إلى الفشل الذي كان من تتائج تشدد تلك الانظمة في اجراءات القمع والارهاب لترسيخ انظمتهم التي فرضوها على المجتمع من جميع نواحيه ، ومع كل ما مرت به تلك القيادات خلال مسيرتها التاريخية من مراحل الصراع والجهاد تعرض فيها الشيعة لألوان من الاذى والعدوان ، فقد كان لها مواقف مشهورة وبطولات رائعة كانت ثورة الحسين تمدها بالعزيمة والثبات وتدفع بهم إلى الإمام واستمرت تلك الثورات التي كانت روح كربلاء تسيرها يتلو بعضها بعضاً في مواجهة تلك الدولة الجائرة حتى أنهكتها وقضت عليها وجلت محلها دولة اخرى قامت بسواعد الشيعة التي كانت تمثلها الدولة الحسين تسيرهم ، ولكنها مثلث اسوأ الأدوار التي كانت تمثلها الدولة الأموية ، فكانت الثورات والانتفاضات تتلو الواحدة الأخرى بقيادة العلويين وغيرهم إلى غير ذلك من الانتفاضات التي لا يخلو منها عصر من العصور ولا زمان ومكان ، ولكن البعض من تلك الثورات لم يكتب لها ولا لقادتها الخلود إلا لفترات محدودة من الزمن لأنها كانت وليدة ظروف محدودة أو انفعالات عاطفية أو مصالح مخصوصة إلى غير ذلك من الدوافع وكان عمرها محمدودا بعمر محتواها وطواها التاريخ كما طوى غيرها من الإحداث .
ان ثورة الحسين كانت الوهج الساطع الذي اضاء المسالك لمن أراد المسيرة بالإسلام في طريقها الصحيح والمرآة الصافية للتخلص من الحاضر الذي كانت تعيشه الأمة ومن واقعها الذي كانت ترسف في أغلاله ، ومن اجل ذلك فقد دخلت في أعماقهم جيلاً بعد جيل وستبقى خالدة خلود قادتها تستمد بقاءها وخلودها من اخلاص قادتها وتفانيهم في سبيل الإسلام والمثل العليا ما دام التاريخ .
وكنت قد تحدثت عن ثورة الحسين ودوافعها بشكل اقرب إلى اليجاز منه إلى التبسيط في كتابي الانتفاضات الشيعية في العصر الأموي
===============
( 10 )
وعرضت فيه صوراً عن مواقف العقيلة الكبرى زينب بنت علي وفاطمة في كربلاء والكوفة وقصر الخضراء في مجلس يزيد بن ميسون ، وبعد تلزيم الكتاب إلى الناشر وتقديمه إلى المطبعة وجدت رغبة ملحة من بعض الشباب المؤمن في اصدار كتاب مستقل حول اهداف الثورة الحسينية ومراحلها وحياة العقيلة ومراحلها من طفولتها إلى آخر مرحلة منها ومرقدها الذي لا يزال مجهولا ومرددا بين المدينة وضاحية الشام ومحلة الفسطاط من القاهرة وعن المآتم الحسينية والمراحل التي مرت بها خلال تلك العصور التي تلت مصرع الحسين (عليه السلام) لتكون في متناول الجميع على حد تعبير أولئك الشباب .
بعد تردد دام وقتاً ليس بالقصير وبعد الالحاح لتحقيق هذه الأمنية وضعت هذا الكتاب وافتتحته بفصل عن الثورة الحسينية وأهدافها استخلصت قسماً من ذلك الفصل مما عرضته في كتابي الانتفاضات الشيعية وأضفت إليه ما انتهيت إليه في هذه الدراسة وعرضت ابرز الجوانب من حياة العقلية منذ طفولتها وما قيل حول مرقدها كما تعرضت للمآتم الحسينية ومراحلها ومواقف الحاكمين منها الموالين والمخالفين وقد جرني البحث عن مراقد الأئمة والأولياء إلى الوقوف قليلاً مع اولئك الحاقدين على الشيعة من شيوخ الوهابيين وغيرهم وأرجو أن أكون قد وفقت لكشف بعض الحقائق التي لا يزال يكتنفها الغموض ولتلبية رغبات الشباب وبقية القراء ومنه سبحانه أستمد العون والتوفيق وأن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن لا يحرمني من شفاعة الحسين وأبيه وجده أنه قريب مجيب .
هاشم معروف الحسني
===============
( 11 )
موقف الحسين (عليه السلام) من معاوية وتحركاته
لقد اتخذ معاوية وغيره من الحاكمين الأمويين من الإسلام طلاء خفيفاً يسترون به نزعاتهم الجاهلية التي كانوا يعملون لإحيائها وتحوير الإسلام إلى مؤسسة تخدم مصالحهم وأهوائهم وكان المجتمع الإسلامي يتململ تحت وطأة الظلم والاضطهاد الذي عبرت عنه مواقف حجر عن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما الذين قاوموا ظلم معاوية وأنصاره ، ولكن تلك المقاومة لم تأخذ مداها ولم تضع حداً لتصرفات الحاكمين وجورهم بل سرعان ما كانت تهمد أو تموت في مهدها عندما يلاحق اولئك الجزارون طلائهما بقتلهم أو زجهم في السجون والمعتقلات بدون أن يحرك المجتمع ساكنا ، وإذا تحرك انسان أغدقوا عليه الأموال وأغروه بالوعود كما حدث لمالك بن هبيرة السكوني الذي غضب لمصرع حجر بن عدي وأصحابه وراح يستعد للثورة ولما علم بتحركه معاوية ارسل إليه معاوية مائة ألف درهم فأخذها وطابت نفسه .
لقد عاصر الحسين (عليه السلام) جميع تلك التحركات التي قام بها الأمويون
===============
( 12 )
والحاقدون على الإسلام ومبادئه الإنسانية العادلة ، لقد عاصرها منذ أن نشئت مع أبيه وأخيه وأصحابهما الكرام ، وها هو بعد استشهاد أخيه بجنود العسل التي أعدها معاوية لكل من كان يخشى منه على دولته وأمويته ، يقف وحيداً في وجه معاوية وأجهزة حكمه الإرهابي ، ويرى بعينيه اولئك الصفة بقية السيف من شيعة أبيه وأخيه يساقون أفواجا إلى الجلادين والجزارين في مرج عذراء وقصر الخضراء ، ويرى منهج معاوية وحواشيه الذي اعتمدوه للوصول بالأمة إلى هذا المصير الكالح وكيف يطاردون ويضطهدون العشرات والمئات من المسلمين عندما ينكرون ظلماً وعدواناً على القيم والمقدسات وكرامة الإنسان .
لقد عاصر مع أبيه وأخيه جميع تحركاتهم المعادية للإسلام وبقي وحيداً في ساحة الصراع مع معاوية وأجهزة حكمه الإرهابي المستبد الذي أراد للأمة أن تتحول عن أهدافها وللإسلام أن ينحرف عن مسيرته ورآهم كيف يحورون الإسلام ويزوّرون مبادئه الإنسانية التي جاء بها محمد بن عبدالله رحمة للعالمين ، ورأى حملة التخدير على حساب الدين والكذب على رسول الله وكيف يبيع المسلم نفسه وحياته وحريته وكرامته بحفنة من الدراهم للحاكمين الظالمين ويرضى بحياته على ما فيها من نكد وقسوة وحرمان .
لقد رأى كل ذلك وكان القلق يستبد به والألم يحز نفسه وقلبه لمصير الرسالة والإنسانية في ظل هذا التحول الخطير الذي كان الأمويون يعملون على تعميقه واستئصال الشخصية الإسلامية ليطمئن الحاكمون ان تصرفاتهم لن تثير أي استنكار لدى الجماهير ويختفي من ضمائرهم الشعور بالإثم الذي يدفع المسلم إلى الثورة على الظلم والظالمين .
لقد استخدم الأمويون لإستئصال الروح الإسلامية والشخصية الإسلامية بالإضافة إلى الأموال وجميع وسائل الإرهاب ، مدرسة الرواة
===============
( 13 )
والمحدثين والقصاصين وعلى رأس هذه المدرسة أبو هريرة وكعب الاحبار وسمرة بن جندب وغيرهم ممن استخدموهم لصنع الأحاديث وأفرزت مصانعهم ألوانا من الأحاديث نسبت إلى النبي (صلى الله عليه واله وسلم) افتراء وبهتاناً ، ومن ابرزها وأرضاها لمعاوية والحزب الأموي ما كان يتضمن القدح في علي وآل علي .
لقد بذل معاوية ما يعادل نصف المليون من الدراهم لسمرة بن جندب ليروي له عن الرسول ان الآية ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل نزلت في علي بن أبي طالب ، وان الآية ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله نزلت في قاتله عبد الرحمن بن ملجم فروى له ما أراد إلى كثير من أمثال ذلك حتى اصبح تسخير المحدثين لهذه الغاية من السنن المتبعة عند من جاء بعده من الأمويين والعباسيين .
فقد جاء عن هشام بن الحكم انه طلب من شهاب الزهري أو غيره من الرواة ان يروي له عن الرسول أن الآية والذي تولى كبره له غذاب أليم نزلت في علي بن أبي طالب فروى له ما أراد وعندما أوعز الحاكمون لأنصارهم بتدوين الحديث دونوا جميع هذه الأنواع من المخترعات ولم يأذنوا لهم بتدوين ما جاء عن النبي في فضله ، فقد جاء في المجلد الثاني من ضحى الإسلام لأحمد امين ان خالد بن عبدالله القسري طلب من الزهري ان يكتب سيرة النبي ، فقال له الزهري : ان سيرة النبي يمر بها الكثير من سيرة علي ومواقفه الخالدة في خدمة الإسلام فما أصنع بهذا النوع من المرويات ؟ فلم يأذن له بتدوين شيء يشير إلى فضل علي وتمجيده إلا إذا تضمن قدحا أو ذما .
ومن تلك الألوان التي افرزتها تلك المدرسة ما يرجع إلى تمجيد بني أمية وبلاد الشام وما إلى ذلك مما يتعلق بعثمان بن عفان ومعاوية بن هند
===============
( 14 )
واعطائهما صفات القديسين كالذي رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أنه قال : ان الله ائتمن على وصيه ثلاثة انا وجبرائيل ومعاوية ، وأنه قال : اذا لقيتم بعدي اختلافاً فعليكم بالأمين عثمان بن عفان .
ومن تلك المرويات ما يرجع إلى تخدير المسلمين عن الثورة والتحرك ضد الحاكمين مهماً بالغوا في الجور والظلم وان مقاومتهم لإستبدالهم بغيرهم حتى ولو كان البديل من أعدل الناس وأحرصهم على مصالح المسلمين وعلى مسيرة الإسلام لا يقرها الإسلام .
فمن ذلك ما رواه اصحاب الصحاح عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) انه كان يقول : من رأى من اميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فان من فارق الجماعة شبرا ومات مات ميتة جاهلية ، وأنه كان يقول : ستكون بعدي هنات وهنات فمن اراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ومن خرج على أمام زمانه فاقتلوه ، إلى غير ذلك مما رواه البخاري في صحيحه وغيره من محدثي السنة في مجاميعهم .
وإلى جانب ما انتجته مصانع ابي هريرة وغيره من تلك العصابة اخترع الحاكمون لونا آخر من ألوان التضليل الديني وهو تأسيس الفرق الدينية التي تقدم للجماهير تفسيرات للدين تخدم تسلط الحاكمين وتبرر جورهم وظلمهم كفرقتي المرجئة والمجبرة اللتين ظهرتا في عهد معاوية وساعد على دعمهما وانتشارهما حتى اصبحتا من أوفر المذاهب حظا لدى الحاكمين وفراعنة العصور ، هذا بالإضافة إلى عدالة الصحابة التي لا تقل خطراً عن فكرتي الإرجاء والجبر والتي تجعله واباه والمروانيين الاوزاع من الكذبة والمجرمين في صفوف الصلحاء ولا تسمح لا حد أن ينالهم بسوء .
لقد رافق ابو عبدالله كل ذلك وكان يتلوى ويتألم للمصير الشيء الذي ينتظر الإسلام من معاوية وغيره من القردة الذين سينزون على منبر الرسول ويستخدمون الإسلام لجاهليتهم الأولى ، وكانت مبررات
===============
( 15 )
الثورة على الحكم الأموي موفورة في عهد معاوية والحسين يدركها ويعرفها وأحيانا كان يعبر عنها في المجالس والمجتمعات والمناسبات ويصارح بها معاوية في الرسائل التي كان يوجهها إليه بين الحين والأخر .
وجاء في بعض اجوبة رسائله إليه : وهيهات هيهات يا معاوية لقد فضح الصبح الدجى وبهرت الشمس أنوار السرج لقد فضلت حتى افرطت واستأثرت حتى اجحفت ومنعت حتى بخلت وصبرت حتى جاوزت ولم تبذل الذي حق حقه بنصيب حتى اخذ الشيطان منك حظة الاوفر ونصيبه الأكبر .
وفي رسالة ثانية وجهها إليه جاء فيها : أولست المدي لزياد بن سمية المولود على فراش عبيد من ثقيف وزعمت انه ابن ابيك ورسول الله يقول : الولد للفراش وللعاهر الحجر فتركت سنة رسول الله واتبعت أهواءك بغير هدى من الله ، ولم تكتف بذلك حتى سلطته على المسلمين يقطع أيديهم وأرجلهم ويسمل عيونهم ويصلبهم على جذوع النخل حتى كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك .
أولست يا معاوية صاحب الحضرميين الذين كتب فيهما ابن سمية انهما على دين علي (عليه السلام) فكتبت إليه ان يقتل كل من كان على دين علي فقتلهم ومثل فيهم بأمرك ودين علي هو دين ابن عمه الذي كان يضربك ويضرب عليه آباءك وبه جلست مجلسك الذي انت عليه ، وقلت فيها قلت : انظر لنفسك ولأمة جدك ولدينك أن تشق عصا هذه الأمة وأن تردهم إلى فتنة ، وأني يا معاوية لا أعلم فتنة اعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها ولا اعظم نظرا لنفسي ولديني ولأمة جدي من ان أجاهدك .
وكان معاوية بتمنى عليه ان يخفف من أسلوبه معه ويتوسل لذلك وبالشدة حينا وباللين والمغريات حيناً آخر وبخاصة عندما عزم على البيعة لولده من بعده ، لان سكوته يؤمن له انقياد الامة ويمكنه من ممارسة سياسته بدون خشية ولكن الشدة لم تكن لتحد من نشاطه ولا المغريات
===============
( 16 )
لتخدعه عما يؤمن به ويعمل من اجله لان دوره الرسالي يفرض عليه ان لا يسكت ولا يهادن وأن يثور راجياً ان تهز ثورته ضمير الأمة التي انحنت وخضعت لجبروت السلطة زمنا طويلاً ، ولأن المجتمع الذي خضع طويلاً لجبروت الأمويين وانحنى لكبريائهم لم يعد يصلحه الكلام ولا بد له من شيء جديد يهزه ويحركه .
هذا الواقع الكالح الذي كانت تتخبط فيه الأمة وضع الحسين (عليه السلام) وجهاً لوجه امام دوره التاريخي ورسالته النضالية وفرض عليه أن يثور من اجل وكامة الأمة والنقاذ شريعة جده من اعدائها الألداء عندما يجد ان ثورته ستعطي ثمارها المرجوة وان شهادته ستقضّ مضاجع الظالمين والطغاة المستبدين وتبقى المثل الغني بالعطاء لكل ثائر على الظلم والجور والطغيان في شرق الارض وغربها .
===============
( 17 )
( لماذا حارب الحسين يزيداً ولم يحارب معاوية )
والسؤال الذي يراود الأذهان في المقام ويفرض نفسه هو ان الحسين (عليه السلام) لقد عاصر معاوية مع ابيه وأخيه وعاصره بعد اخيه كما ذكرنا نحواً من عشر سنوات وكان وحده مهوى الافئدة ومحط آمال المعذبين والمشردين والمضطهدين ولم يترك معاوية خلال تلك المدة من حكمه باباً من ابواب الظلم الا وانطلق منه ولا منفذا للتسلط على الناس إلا وأطل منه فقتل آلاف الصلحاء وعذب وشرد واضطهد مئات الالوف بلا جرم ارتكبوه ولا بيعة نقضوها ، وكان ذنبهم الأول والأخير هو ولائهم لعلي وآل علي وكان القدوة لجميع من جاء بعده من الأمويين في جورهم واستهتارهم بالقيم والمقدسات وتحوير الإسلام إلى الشكل الذي يحقق أحلام أبي جهل وأبي سفيان وغيرهما من طواغيت القرشيين والأمويين ، ولم يكن ولده ابن ميسون إلا صنيعة من صنائعه وسيئة من سيآته ، فلماذا والحالة هذه قعد عن الثورة المسلحة في عهد معاوية مع وجود جميع مبرراتها واكتفى بالثورة الإعلامية في حين ان المبررات التي
===============
( 18 )
دفعته على الثورة على يزيد كانت امتدادا لتلك التي كان يمارسها معاوية من قبله .
هذا التساؤل يبدو ولأول نظرة سليما ومقبولاً ولكنه بعد التدقيق ومتابعة الإحداث التي كان المسلمون يعانون منها وواقع معاوية بن هند والوسائل التي كان يستعملها لتغطية جرائمه لم يعد لهذا التساؤل ما يبرره ذلك لأن الواقع المرير الذي فرض على الإمام ابي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) ان يصالح معاوية ويتنازل له عن السلطة الزمنية فرض على الحسين ان لا يتحرك عسكريا في عهد معاوية وأن يفرض على شيعته وأصحابه الخلود إلى السكينة وانتظار الوقت المناسب ، لأن الحسن لو حارب معاوية في تلك الظروف المشحونة بالفتن والمتناقضات مع تخاذل جيشه وتشتيت أهوائهم وآرائهم ، ومع شراء معاوية لأكثر قادتهم ورؤسائهم بالأموال والوعود المغرية بالإضافة إلى ما كان يملكه من وسائل التضليل والإعلام التي كان يستخدمها لتضليل الرأي العام ، لو حارب الحسن في تلك الظروف فكل الدلائل تشير إلى ان الحرب ستكلفه نفسه ونفس اخيه الحسين واستئصال المخلصين من أتباعه وشيعته ولا ينتج منها سوى قائمة جديدة من الشهداء تضاف إلى القوائم التي دفنت في مرج عذراء ودمشق والكوفة وغيرها من مقابر الشهداء الأبرار .
وبلا شك فان الإمام أبا محمد الحسن لم يكن يتهيب الشهادة لو كانت تخدم المصلحة العامة وتعد المجتمع الإسلامي إعداداً سليما للثورة والتضحية بكل شيء في سبيل المبدأ والعقيدة كما فعلت ثورة الحسين في حينها التي قدمت للإنسان المسلم نمطاً جديداً من الثوار لا يستسلم للضغوط مهما بلغ حجمها ولا يسام على انسانيته ودينه ومبدأه مهماً كانت التضحيات ، ولم يكن الحسين أقل إدراكاً لواقع المجتمع العراقي
===============
( 19 )
من اخيه الحسن ، فقد رأى من خيانته وتخاذله واستسلامه للضغوط مثل ما رأى اخوه وأبوه من قبله لذلك كله فقد آثر التريث لبينما تتوفر لشهادته ان تعطي النتائج التي تخدم الإسلام وتبعث اليقظة والروح النضالية في نفوس المسلمين وراح يعمل على تهيئة المجتمع الإسلامي للثورة وتعبئته لها بدل ان يحمل على القيام بثورة ستكون فاشلة في عهد معاوية وتكون نتائجها لغير صالحه .
لقد مضى على ذلك في حياة اخيه وبعد وفاته ففي حياته حينما جاءته وفود الكوفة تطلب منه ان يثور على معاوية بعد أن يئسوا من استجابة أخيه ، قال لهم : لقد صدق أخي أبو محمد فليكن كل رجل منكم حلسا من احلاس بيته ما دام معاوية حيا كما جاء في الأخبار الطوال للديمري ، وبعد أخيه كتبوا إليه ووقدوا عليه يسألونه القدوم عليهم ومناهضة معاوية فأصر على موقفه الأول وقال لهم : أما أخي فأرجو أن يكون قد وفقه الله وسدده فيما فعل وأمام انا فليس من رأيي أن تتحركوا في عهد معاوية فالصقوا بالأرض وأكمنوا في البيوت واحترسوا من الظنة والتهمة ما دام معاوية حياً ، إلى كثير من مواقفه التي تؤكد بأنه كان يرى أن الثورة على معاوية لا تخدم مصلحة الإسلام والمسلمين وان الخلود إلى السكينة والبتعاد عن كل ما يثير الشبهات وضغائن الأمويين عليه وعلى شيعته وأنصاره في حياة معاوية أجدى وأنفع لهم وللمصلحة العامة وفي الوقت ذاته كان كما ذكرنا يعمل لإعداد المجتمع وتعبئته بانتظار اليوم الذي يطمئن فيه بأن شهادته ستعطي النتائج المرجوة .
وبالفعل لقد اتسعت المعارضة في عهده وظهرت عليها بوادر التغير والميل إلى العنف والشدة وبخاصة بعد أن جعل ولاية عهده لولده الخليع المستهتر ، فكان لكل حدث من أحداث معاوية صدى مدويا في أوساط المدينة وخارجها حيث الإمام الحسين الرجل الذي اتجهت إليه الأنظار
===============
( 20 )
من كل حدب وصوب وهو ما حدا بالأمويين إلى التحسس بهذا الواقع والتخوف من نتائجه . فكتب مروان بن الحكم إلى معاوية يحذره من التغاضي عن الحسين وأنصاره وجاء في كتابه إليه : ان رجالا من أهل العراق ووجوه الحجاز يختلفون الى الحسين بن علي وأني لا آمن وثوبه بين لحظة وأخرى ، وقد بلغني استعداده لذلك فاكتب الي برأيك في امره ، ولم يكن معاوية في غفلة عن ذلك وكان قد أعد لكل أمر عدته بوسائله التي كان يهيمن بها على الجماهير المسلمة ، والحسين يعرف ذلك ويعرف بأن ثورته لو كانت في ذلك الظرف ستنجلي عن استشهاده ، والاستشهاد بنظره لا وزن له ولا قيمة إذا لم يترك على دروب الناس وفي قلوبهم وهجا ساطعا تسير الأجيال على ضوئه في ثورتها على الظلم والطغيان في كل أرض وزمان .
وكان معاوية يدرك ويعي بما للحسين من منزلة في القلوب وبأن ثورته عليه ستزجه في أجواء تعكر عليه بهاء انتصاراته التي احرزها في معركة صفين وفي صلحه مع الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) ، ولو قدر لها ان تحدث بوم ذاك فسوف يعمل بكل ما لديه من الوسائل ليتخلص منه قبل استفحالها وقبل ان يكون لها ذلك الصدى المفزع في الأوساط الإسلامية ولو بواسطة جنود العسل التي كان يتباهى بها ويستعملها للفتك بأخصامه السياسيين حينما كان يحس بخطرهم على دولته وأمويته ولو تعذر عليه ذلك فسوف يمارس جميع أشكال الإحتيال والتضليل والمراوغة حتى لا يكون لشهادة الحسين ذلك الوهج الساطع الذي ينفذ الى الأعماق ويحرك الضمائر والقلوب للثورة على دولته وأعوانها ، ولكي يبقى أثرها محدوداً لا يتجاوز قلوب أهله ومحبيه وشيعته إلى حين ثم يطوي النسيان ذكراه كما يطوي جميع الذكريات والإحداث .
ولعل ذلك هو الذي اضطر الحسين إلى التريث وعدم مواجهة معاوية بالحرب ودعوة اصحابه وشيعته الذين كانوا يراسلونه ويتوافدون
===============
( 21 )
عليه بين الحين والآخر إلى أن يلتصقوا بالأرض ويكمنوا في بيوتهم ويحترسوا من كل ما يشير حولهم الظنون والشبهات ما دام معاوية حياً .
وكما كان يعرف معاوية وأساليبه كان يعرف أن خليفته الجديد محدود في تفكيره ينساق مع عواطفه وشهواته وتلبية رغباته إلى أبعد الحدود بارتكاب المحارم والآثام والتحلل من التقاليد الإسلامية ويندفع مع نزقه فيما يعترضه من الصعاب من غير تقدير لما وراءها من المخاطر ، ومن اجل ذلك وقف من بيعته ذلك الموقف واعبرها من أخطر الإحداث على مصير الأمة ومقدراتها ، ولم يجد بدا من مقاومتها وهو يعلم بأن وراء مقاومته الشهادة وان شهادته ستؤدي دورها الكامل وتصنع الإنتفاضة تلو الأخرى ، حتى النصر ، ولم يكن باستطاعة يزيد مواجهتها بالأساليب التي اعتاد ابوه تغطية جرائمه بها ، لأنه كما وصفه البلاذري في أنساب الأشراف من أبعد الناس عن الحذر والحيطة والتروي صغير العقل متهوراً سطحي التفكير لا يهم بشيء إلا ركبه ، ومن كان بهذه الصفات لا بد وأن يواجه الإحداث بالأسلوب الذي يتفق مع شخصيته ، وهو ما حدث في النهاية بالنسبة إليها وإلى غيرها من المشاكل التي واجهته خلال السنين الخمس التي حكم فيها بعد أبيه .
دارُ القَلَم
بيروت ـ لبنان
===============
( 4 )
===============
( 5 )
من وحي الثورة الحسينية
يعرض هذا الكتاب صوراً عن مواقف الحسين (عليه السلام) من الحاكمين قبل ثورته وأهداف الثورة بعد أن وجد لها المناخ المناسب كما يقدم صوراً عن بطولات العقيلة زينب بنت علي والعلويين والطالبيين وعن حياة العقيلة منذ طفولتها حتى فاربقت الدنيا وعن مرقدها والمآثم الحسينية والمراحل التي مرت بها ومواقف الحاكمين منها معتمداً أوثق المصادر وأقربها من المنطق والواقع لإبراز هذه الجوانب من سيرة أهل البيت علي واقعها وأرجو أن أكون قد وفقت لذلك .
هاشم معروف الحسني
===============
( 6 )
===============
( 7 )
المقدمة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيِم
والصلاة والسلام على محمد وآله والأئمة الهداة المهديين ورحمته وبركاته . وبعد فإن المتتبع في بطون الأسفار والمصادر يجد الكثير من الأبطال وعظماء الرجال الذين دفعهم دينهم وإيمانهم إلى الجهر بكلمة الحق والدعوة إلى العدالة باقتحام ميادين الجهاد والثورة على الظلم هنا وهناك لينالوا شرف الدفاع عن عقيدتهم والمعذبين في الأرض من جور الطغاة وفراعنة العصور ولو أدى ذلك إلى استشهادهم والتضحية بكل ما يملكون ولقد سجل التاريخ عشرات الثورات والانتفاضات لأولئك الأبطال المجاهدين وتحدث عن انتصاراتهم ومنجزاتهم ولكنه لم يحدث عن ثورة في تاريخ الشعوب والأمم عاشت كما عاشت ثورة
===============
( 8 )
الحسين وكان لها من الضجة في عالمها وما بعده في كل زمان ومكان ما كان لثورة الحسين ، وأعطت وقدمت للإنسان المسلم وغيره من المنجزات والقيم والمثل العليا ما اعطته وقدمته ثورة الحسين ولا تزال حية تعكس تفاعل الأمة مع التاريخ في تحرك وعطاء مستمر في حاذر المسلمين كما كانت في ماضيهم الغابر وأغنت بعطائها وأفكارها وأهدافها النبيلة تاريخ الإسلام كما كشفت زيف أدعيائه والمتخذين منه ستاراً يخفون وراءه ما يضمرونه من شرك وشر وسوء لدعاته المخلصين ، ولم يكن ذاك إلا لأنها لم تكن لعصر دون عصر ولا لفئة من الناس دون فئة كما لم تكن وليدة ظروف طارئة أو تحركات سياسية محدودة الآثار والدوافع وبعيدة عن احاسيس الأمة وانفعالاتها ، بل كانت النور الساطع للمسلمين في جميع تحركاتهم الهادفة لإتمام المسيرة بالإسلام إلى الهدف الاسمى والغاية القصوى التي ارسل محمد بن عبدالله رسول الرحمة والكرامة والحريف من اجلها ، وكانت المرآة الصافية للحاضر الذي كانت تعيشه الأمة ولواقعها الذي كانت ترسف في أغلاله والحقيقة الدائمة التي تتصل بالتكوين الدائم لعقل الإنسان وقلبه ومجتمعه وتلبي جميع حاجاته وطموحاته .
انها الثورة الوحيدة من بين تلك الثورات والإتنفاضات التي عبأت الإنسان المسلم وغيره منذ حدوثها ودفعت به في الطريق الدامي الطويل طريق النضال والتحرير من الاستغلال والاستعباد والتسلط وأسهمت ولا تزال تسهم بدور هام في تكوين الشخصية الثقافية والاجتماعية والسياسية بعد أن كان المسلمون يوم ذاك يفقدون حريتهم وروحهم النضالية وحتى وجودهم بفعل سياسة الحاكمين الأمويين ، ولدقمت مع ذلك للأمة نماذج من القيادات والاتباع ترسم لها مواقعها في مواجهة الأحداث والمواقف التي تعترض طريقها في مسيرتها نحو المستقبل الأفضل والمجتمع الافضل ، واستمرت تلك القيادات في مسيرتها بالرغم مما كان
===============
( 9 )
يعترضها من انتكاسات تعرقل مسيرتها وأحيانا إلى الفشل الذي كان من تتائج تشدد تلك الانظمة في اجراءات القمع والارهاب لترسيخ انظمتهم التي فرضوها على المجتمع من جميع نواحيه ، ومع كل ما مرت به تلك القيادات خلال مسيرتها التاريخية من مراحل الصراع والجهاد تعرض فيها الشيعة لألوان من الاذى والعدوان ، فقد كان لها مواقف مشهورة وبطولات رائعة كانت ثورة الحسين تمدها بالعزيمة والثبات وتدفع بهم إلى الإمام واستمرت تلك الثورات التي كانت روح كربلاء تسيرها يتلو بعضها بعضاً في مواجهة تلك الدولة الجائرة حتى أنهكتها وقضت عليها وجلت محلها دولة اخرى قامت بسواعد الشيعة التي كانت تمثلها الدولة الحسين تسيرهم ، ولكنها مثلث اسوأ الأدوار التي كانت تمثلها الدولة الأموية ، فكانت الثورات والانتفاضات تتلو الواحدة الأخرى بقيادة العلويين وغيرهم إلى غير ذلك من الانتفاضات التي لا يخلو منها عصر من العصور ولا زمان ومكان ، ولكن البعض من تلك الثورات لم يكتب لها ولا لقادتها الخلود إلا لفترات محدودة من الزمن لأنها كانت وليدة ظروف محدودة أو انفعالات عاطفية أو مصالح مخصوصة إلى غير ذلك من الدوافع وكان عمرها محمدودا بعمر محتواها وطواها التاريخ كما طوى غيرها من الإحداث .
ان ثورة الحسين كانت الوهج الساطع الذي اضاء المسالك لمن أراد المسيرة بالإسلام في طريقها الصحيح والمرآة الصافية للتخلص من الحاضر الذي كانت تعيشه الأمة ومن واقعها الذي كانت ترسف في أغلاله ، ومن اجل ذلك فقد دخلت في أعماقهم جيلاً بعد جيل وستبقى خالدة خلود قادتها تستمد بقاءها وخلودها من اخلاص قادتها وتفانيهم في سبيل الإسلام والمثل العليا ما دام التاريخ .
وكنت قد تحدثت عن ثورة الحسين ودوافعها بشكل اقرب إلى اليجاز منه إلى التبسيط في كتابي الانتفاضات الشيعية في العصر الأموي
===============
( 10 )
وعرضت فيه صوراً عن مواقف العقيلة الكبرى زينب بنت علي وفاطمة في كربلاء والكوفة وقصر الخضراء في مجلس يزيد بن ميسون ، وبعد تلزيم الكتاب إلى الناشر وتقديمه إلى المطبعة وجدت رغبة ملحة من بعض الشباب المؤمن في اصدار كتاب مستقل حول اهداف الثورة الحسينية ومراحلها وحياة العقيلة ومراحلها من طفولتها إلى آخر مرحلة منها ومرقدها الذي لا يزال مجهولا ومرددا بين المدينة وضاحية الشام ومحلة الفسطاط من القاهرة وعن المآتم الحسينية والمراحل التي مرت بها خلال تلك العصور التي تلت مصرع الحسين (عليه السلام) لتكون في متناول الجميع على حد تعبير أولئك الشباب .
بعد تردد دام وقتاً ليس بالقصير وبعد الالحاح لتحقيق هذه الأمنية وضعت هذا الكتاب وافتتحته بفصل عن الثورة الحسينية وأهدافها استخلصت قسماً من ذلك الفصل مما عرضته في كتابي الانتفاضات الشيعية وأضفت إليه ما انتهيت إليه في هذه الدراسة وعرضت ابرز الجوانب من حياة العقلية منذ طفولتها وما قيل حول مرقدها كما تعرضت للمآتم الحسينية ومراحلها ومواقف الحاكمين منها الموالين والمخالفين وقد جرني البحث عن مراقد الأئمة والأولياء إلى الوقوف قليلاً مع اولئك الحاقدين على الشيعة من شيوخ الوهابيين وغيرهم وأرجو أن أكون قد وفقت لكشف بعض الحقائق التي لا يزال يكتنفها الغموض ولتلبية رغبات الشباب وبقية القراء ومنه سبحانه أستمد العون والتوفيق وأن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن لا يحرمني من شفاعة الحسين وأبيه وجده أنه قريب مجيب .
هاشم معروف الحسني
===============
( 11 )
موقف الحسين (عليه السلام) من معاوية وتحركاته
لقد اتخذ معاوية وغيره من الحاكمين الأمويين من الإسلام طلاء خفيفاً يسترون به نزعاتهم الجاهلية التي كانوا يعملون لإحيائها وتحوير الإسلام إلى مؤسسة تخدم مصالحهم وأهوائهم وكان المجتمع الإسلامي يتململ تحت وطأة الظلم والاضطهاد الذي عبرت عنه مواقف حجر عن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما الذين قاوموا ظلم معاوية وأنصاره ، ولكن تلك المقاومة لم تأخذ مداها ولم تضع حداً لتصرفات الحاكمين وجورهم بل سرعان ما كانت تهمد أو تموت في مهدها عندما يلاحق اولئك الجزارون طلائهما بقتلهم أو زجهم في السجون والمعتقلات بدون أن يحرك المجتمع ساكنا ، وإذا تحرك انسان أغدقوا عليه الأموال وأغروه بالوعود كما حدث لمالك بن هبيرة السكوني الذي غضب لمصرع حجر بن عدي وأصحابه وراح يستعد للثورة ولما علم بتحركه معاوية ارسل إليه معاوية مائة ألف درهم فأخذها وطابت نفسه .
لقد عاصر الحسين (عليه السلام) جميع تلك التحركات التي قام بها الأمويون
===============
( 12 )
والحاقدون على الإسلام ومبادئه الإنسانية العادلة ، لقد عاصرها منذ أن نشئت مع أبيه وأخيه وأصحابهما الكرام ، وها هو بعد استشهاد أخيه بجنود العسل التي أعدها معاوية لكل من كان يخشى منه على دولته وأمويته ، يقف وحيداً في وجه معاوية وأجهزة حكمه الإرهابي ، ويرى بعينيه اولئك الصفة بقية السيف من شيعة أبيه وأخيه يساقون أفواجا إلى الجلادين والجزارين في مرج عذراء وقصر الخضراء ، ويرى منهج معاوية وحواشيه الذي اعتمدوه للوصول بالأمة إلى هذا المصير الكالح وكيف يطاردون ويضطهدون العشرات والمئات من المسلمين عندما ينكرون ظلماً وعدواناً على القيم والمقدسات وكرامة الإنسان .
لقد عاصر مع أبيه وأخيه جميع تحركاتهم المعادية للإسلام وبقي وحيداً في ساحة الصراع مع معاوية وأجهزة حكمه الإرهابي المستبد الذي أراد للأمة أن تتحول عن أهدافها وللإسلام أن ينحرف عن مسيرته ورآهم كيف يحورون الإسلام ويزوّرون مبادئه الإنسانية التي جاء بها محمد بن عبدالله رحمة للعالمين ، ورأى حملة التخدير على حساب الدين والكذب على رسول الله وكيف يبيع المسلم نفسه وحياته وحريته وكرامته بحفنة من الدراهم للحاكمين الظالمين ويرضى بحياته على ما فيها من نكد وقسوة وحرمان .
لقد رأى كل ذلك وكان القلق يستبد به والألم يحز نفسه وقلبه لمصير الرسالة والإنسانية في ظل هذا التحول الخطير الذي كان الأمويون يعملون على تعميقه واستئصال الشخصية الإسلامية ليطمئن الحاكمون ان تصرفاتهم لن تثير أي استنكار لدى الجماهير ويختفي من ضمائرهم الشعور بالإثم الذي يدفع المسلم إلى الثورة على الظلم والظالمين .
لقد استخدم الأمويون لإستئصال الروح الإسلامية والشخصية الإسلامية بالإضافة إلى الأموال وجميع وسائل الإرهاب ، مدرسة الرواة
===============
( 13 )
والمحدثين والقصاصين وعلى رأس هذه المدرسة أبو هريرة وكعب الاحبار وسمرة بن جندب وغيرهم ممن استخدموهم لصنع الأحاديث وأفرزت مصانعهم ألوانا من الأحاديث نسبت إلى النبي (صلى الله عليه واله وسلم) افتراء وبهتاناً ، ومن ابرزها وأرضاها لمعاوية والحزب الأموي ما كان يتضمن القدح في علي وآل علي .
لقد بذل معاوية ما يعادل نصف المليون من الدراهم لسمرة بن جندب ليروي له عن الرسول ان الآية ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل نزلت في علي بن أبي طالب ، وان الآية ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله نزلت في قاتله عبد الرحمن بن ملجم فروى له ما أراد إلى كثير من أمثال ذلك حتى اصبح تسخير المحدثين لهذه الغاية من السنن المتبعة عند من جاء بعده من الأمويين والعباسيين .
فقد جاء عن هشام بن الحكم انه طلب من شهاب الزهري أو غيره من الرواة ان يروي له عن الرسول أن الآية والذي تولى كبره له غذاب أليم نزلت في علي بن أبي طالب فروى له ما أراد وعندما أوعز الحاكمون لأنصارهم بتدوين الحديث دونوا جميع هذه الأنواع من المخترعات ولم يأذنوا لهم بتدوين ما جاء عن النبي في فضله ، فقد جاء في المجلد الثاني من ضحى الإسلام لأحمد امين ان خالد بن عبدالله القسري طلب من الزهري ان يكتب سيرة النبي ، فقال له الزهري : ان سيرة النبي يمر بها الكثير من سيرة علي ومواقفه الخالدة في خدمة الإسلام فما أصنع بهذا النوع من المرويات ؟ فلم يأذن له بتدوين شيء يشير إلى فضل علي وتمجيده إلا إذا تضمن قدحا أو ذما .
ومن تلك الألوان التي افرزتها تلك المدرسة ما يرجع إلى تمجيد بني أمية وبلاد الشام وما إلى ذلك مما يتعلق بعثمان بن عفان ومعاوية بن هند
===============
( 14 )
واعطائهما صفات القديسين كالذي رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أنه قال : ان الله ائتمن على وصيه ثلاثة انا وجبرائيل ومعاوية ، وأنه قال : اذا لقيتم بعدي اختلافاً فعليكم بالأمين عثمان بن عفان .
ومن تلك المرويات ما يرجع إلى تخدير المسلمين عن الثورة والتحرك ضد الحاكمين مهماً بالغوا في الجور والظلم وان مقاومتهم لإستبدالهم بغيرهم حتى ولو كان البديل من أعدل الناس وأحرصهم على مصالح المسلمين وعلى مسيرة الإسلام لا يقرها الإسلام .
فمن ذلك ما رواه اصحاب الصحاح عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) انه كان يقول : من رأى من اميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فان من فارق الجماعة شبرا ومات مات ميتة جاهلية ، وأنه كان يقول : ستكون بعدي هنات وهنات فمن اراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ومن خرج على أمام زمانه فاقتلوه ، إلى غير ذلك مما رواه البخاري في صحيحه وغيره من محدثي السنة في مجاميعهم .
وإلى جانب ما انتجته مصانع ابي هريرة وغيره من تلك العصابة اخترع الحاكمون لونا آخر من ألوان التضليل الديني وهو تأسيس الفرق الدينية التي تقدم للجماهير تفسيرات للدين تخدم تسلط الحاكمين وتبرر جورهم وظلمهم كفرقتي المرجئة والمجبرة اللتين ظهرتا في عهد معاوية وساعد على دعمهما وانتشارهما حتى اصبحتا من أوفر المذاهب حظا لدى الحاكمين وفراعنة العصور ، هذا بالإضافة إلى عدالة الصحابة التي لا تقل خطراً عن فكرتي الإرجاء والجبر والتي تجعله واباه والمروانيين الاوزاع من الكذبة والمجرمين في صفوف الصلحاء ولا تسمح لا حد أن ينالهم بسوء .
لقد رافق ابو عبدالله كل ذلك وكان يتلوى ويتألم للمصير الشيء الذي ينتظر الإسلام من معاوية وغيره من القردة الذين سينزون على منبر الرسول ويستخدمون الإسلام لجاهليتهم الأولى ، وكانت مبررات
===============
( 15 )
الثورة على الحكم الأموي موفورة في عهد معاوية والحسين يدركها ويعرفها وأحيانا كان يعبر عنها في المجالس والمجتمعات والمناسبات ويصارح بها معاوية في الرسائل التي كان يوجهها إليه بين الحين والأخر .
وجاء في بعض اجوبة رسائله إليه : وهيهات هيهات يا معاوية لقد فضح الصبح الدجى وبهرت الشمس أنوار السرج لقد فضلت حتى افرطت واستأثرت حتى اجحفت ومنعت حتى بخلت وصبرت حتى جاوزت ولم تبذل الذي حق حقه بنصيب حتى اخذ الشيطان منك حظة الاوفر ونصيبه الأكبر .
وفي رسالة ثانية وجهها إليه جاء فيها : أولست المدي لزياد بن سمية المولود على فراش عبيد من ثقيف وزعمت انه ابن ابيك ورسول الله يقول : الولد للفراش وللعاهر الحجر فتركت سنة رسول الله واتبعت أهواءك بغير هدى من الله ، ولم تكتف بذلك حتى سلطته على المسلمين يقطع أيديهم وأرجلهم ويسمل عيونهم ويصلبهم على جذوع النخل حتى كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك .
أولست يا معاوية صاحب الحضرميين الذين كتب فيهما ابن سمية انهما على دين علي (عليه السلام) فكتبت إليه ان يقتل كل من كان على دين علي فقتلهم ومثل فيهم بأمرك ودين علي هو دين ابن عمه الذي كان يضربك ويضرب عليه آباءك وبه جلست مجلسك الذي انت عليه ، وقلت فيها قلت : انظر لنفسك ولأمة جدك ولدينك أن تشق عصا هذه الأمة وأن تردهم إلى فتنة ، وأني يا معاوية لا أعلم فتنة اعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها ولا اعظم نظرا لنفسي ولديني ولأمة جدي من ان أجاهدك .
وكان معاوية بتمنى عليه ان يخفف من أسلوبه معه ويتوسل لذلك وبالشدة حينا وباللين والمغريات حيناً آخر وبخاصة عندما عزم على البيعة لولده من بعده ، لان سكوته يؤمن له انقياد الامة ويمكنه من ممارسة سياسته بدون خشية ولكن الشدة لم تكن لتحد من نشاطه ولا المغريات
===============
( 16 )
لتخدعه عما يؤمن به ويعمل من اجله لان دوره الرسالي يفرض عليه ان لا يسكت ولا يهادن وأن يثور راجياً ان تهز ثورته ضمير الأمة التي انحنت وخضعت لجبروت السلطة زمنا طويلاً ، ولأن المجتمع الذي خضع طويلاً لجبروت الأمويين وانحنى لكبريائهم لم يعد يصلحه الكلام ولا بد له من شيء جديد يهزه ويحركه .
هذا الواقع الكالح الذي كانت تتخبط فيه الأمة وضع الحسين (عليه السلام) وجهاً لوجه امام دوره التاريخي ورسالته النضالية وفرض عليه أن يثور من اجل وكامة الأمة والنقاذ شريعة جده من اعدائها الألداء عندما يجد ان ثورته ستعطي ثمارها المرجوة وان شهادته ستقضّ مضاجع الظالمين والطغاة المستبدين وتبقى المثل الغني بالعطاء لكل ثائر على الظلم والجور والطغيان في شرق الارض وغربها .
===============
( 17 )
( لماذا حارب الحسين يزيداً ولم يحارب معاوية )
والسؤال الذي يراود الأذهان في المقام ويفرض نفسه هو ان الحسين (عليه السلام) لقد عاصر معاوية مع ابيه وأخيه وعاصره بعد اخيه كما ذكرنا نحواً من عشر سنوات وكان وحده مهوى الافئدة ومحط آمال المعذبين والمشردين والمضطهدين ولم يترك معاوية خلال تلك المدة من حكمه باباً من ابواب الظلم الا وانطلق منه ولا منفذا للتسلط على الناس إلا وأطل منه فقتل آلاف الصلحاء وعذب وشرد واضطهد مئات الالوف بلا جرم ارتكبوه ولا بيعة نقضوها ، وكان ذنبهم الأول والأخير هو ولائهم لعلي وآل علي وكان القدوة لجميع من جاء بعده من الأمويين في جورهم واستهتارهم بالقيم والمقدسات وتحوير الإسلام إلى الشكل الذي يحقق أحلام أبي جهل وأبي سفيان وغيرهما من طواغيت القرشيين والأمويين ، ولم يكن ولده ابن ميسون إلا صنيعة من صنائعه وسيئة من سيآته ، فلماذا والحالة هذه قعد عن الثورة المسلحة في عهد معاوية مع وجود جميع مبرراتها واكتفى بالثورة الإعلامية في حين ان المبررات التي
===============
( 18 )
دفعته على الثورة على يزيد كانت امتدادا لتلك التي كان يمارسها معاوية من قبله .
هذا التساؤل يبدو ولأول نظرة سليما ومقبولاً ولكنه بعد التدقيق ومتابعة الإحداث التي كان المسلمون يعانون منها وواقع معاوية بن هند والوسائل التي كان يستعملها لتغطية جرائمه لم يعد لهذا التساؤل ما يبرره ذلك لأن الواقع المرير الذي فرض على الإمام ابي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) ان يصالح معاوية ويتنازل له عن السلطة الزمنية فرض على الحسين ان لا يتحرك عسكريا في عهد معاوية وأن يفرض على شيعته وأصحابه الخلود إلى السكينة وانتظار الوقت المناسب ، لأن الحسن لو حارب معاوية في تلك الظروف المشحونة بالفتن والمتناقضات مع تخاذل جيشه وتشتيت أهوائهم وآرائهم ، ومع شراء معاوية لأكثر قادتهم ورؤسائهم بالأموال والوعود المغرية بالإضافة إلى ما كان يملكه من وسائل التضليل والإعلام التي كان يستخدمها لتضليل الرأي العام ، لو حارب الحسن في تلك الظروف فكل الدلائل تشير إلى ان الحرب ستكلفه نفسه ونفس اخيه الحسين واستئصال المخلصين من أتباعه وشيعته ولا ينتج منها سوى قائمة جديدة من الشهداء تضاف إلى القوائم التي دفنت في مرج عذراء ودمشق والكوفة وغيرها من مقابر الشهداء الأبرار .
وبلا شك فان الإمام أبا محمد الحسن لم يكن يتهيب الشهادة لو كانت تخدم المصلحة العامة وتعد المجتمع الإسلامي إعداداً سليما للثورة والتضحية بكل شيء في سبيل المبدأ والعقيدة كما فعلت ثورة الحسين في حينها التي قدمت للإنسان المسلم نمطاً جديداً من الثوار لا يستسلم للضغوط مهما بلغ حجمها ولا يسام على انسانيته ودينه ومبدأه مهماً كانت التضحيات ، ولم يكن الحسين أقل إدراكاً لواقع المجتمع العراقي
===============
( 19 )
من اخيه الحسن ، فقد رأى من خيانته وتخاذله واستسلامه للضغوط مثل ما رأى اخوه وأبوه من قبله لذلك كله فقد آثر التريث لبينما تتوفر لشهادته ان تعطي النتائج التي تخدم الإسلام وتبعث اليقظة والروح النضالية في نفوس المسلمين وراح يعمل على تهيئة المجتمع الإسلامي للثورة وتعبئته لها بدل ان يحمل على القيام بثورة ستكون فاشلة في عهد معاوية وتكون نتائجها لغير صالحه .
لقد مضى على ذلك في حياة اخيه وبعد وفاته ففي حياته حينما جاءته وفود الكوفة تطلب منه ان يثور على معاوية بعد أن يئسوا من استجابة أخيه ، قال لهم : لقد صدق أخي أبو محمد فليكن كل رجل منكم حلسا من احلاس بيته ما دام معاوية حيا كما جاء في الأخبار الطوال للديمري ، وبعد أخيه كتبوا إليه ووقدوا عليه يسألونه القدوم عليهم ومناهضة معاوية فأصر على موقفه الأول وقال لهم : أما أخي فأرجو أن يكون قد وفقه الله وسدده فيما فعل وأمام انا فليس من رأيي أن تتحركوا في عهد معاوية فالصقوا بالأرض وأكمنوا في البيوت واحترسوا من الظنة والتهمة ما دام معاوية حياً ، إلى كثير من مواقفه التي تؤكد بأنه كان يرى أن الثورة على معاوية لا تخدم مصلحة الإسلام والمسلمين وان الخلود إلى السكينة والبتعاد عن كل ما يثير الشبهات وضغائن الأمويين عليه وعلى شيعته وأنصاره في حياة معاوية أجدى وأنفع لهم وللمصلحة العامة وفي الوقت ذاته كان كما ذكرنا يعمل لإعداد المجتمع وتعبئته بانتظار اليوم الذي يطمئن فيه بأن شهادته ستعطي النتائج المرجوة .
وبالفعل لقد اتسعت المعارضة في عهده وظهرت عليها بوادر التغير والميل إلى العنف والشدة وبخاصة بعد أن جعل ولاية عهده لولده الخليع المستهتر ، فكان لكل حدث من أحداث معاوية صدى مدويا في أوساط المدينة وخارجها حيث الإمام الحسين الرجل الذي اتجهت إليه الأنظار
===============
( 20 )
من كل حدب وصوب وهو ما حدا بالأمويين إلى التحسس بهذا الواقع والتخوف من نتائجه . فكتب مروان بن الحكم إلى معاوية يحذره من التغاضي عن الحسين وأنصاره وجاء في كتابه إليه : ان رجالا من أهل العراق ووجوه الحجاز يختلفون الى الحسين بن علي وأني لا آمن وثوبه بين لحظة وأخرى ، وقد بلغني استعداده لذلك فاكتب الي برأيك في امره ، ولم يكن معاوية في غفلة عن ذلك وكان قد أعد لكل أمر عدته بوسائله التي كان يهيمن بها على الجماهير المسلمة ، والحسين يعرف ذلك ويعرف بأن ثورته لو كانت في ذلك الظرف ستنجلي عن استشهاده ، والاستشهاد بنظره لا وزن له ولا قيمة إذا لم يترك على دروب الناس وفي قلوبهم وهجا ساطعا تسير الأجيال على ضوئه في ثورتها على الظلم والطغيان في كل أرض وزمان .
وكان معاوية يدرك ويعي بما للحسين من منزلة في القلوب وبأن ثورته عليه ستزجه في أجواء تعكر عليه بهاء انتصاراته التي احرزها في معركة صفين وفي صلحه مع الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) ، ولو قدر لها ان تحدث بوم ذاك فسوف يعمل بكل ما لديه من الوسائل ليتخلص منه قبل استفحالها وقبل ان يكون لها ذلك الصدى المفزع في الأوساط الإسلامية ولو بواسطة جنود العسل التي كان يتباهى بها ويستعملها للفتك بأخصامه السياسيين حينما كان يحس بخطرهم على دولته وأمويته ولو تعذر عليه ذلك فسوف يمارس جميع أشكال الإحتيال والتضليل والمراوغة حتى لا يكون لشهادة الحسين ذلك الوهج الساطع الذي ينفذ الى الأعماق ويحرك الضمائر والقلوب للثورة على دولته وأعوانها ، ولكي يبقى أثرها محدوداً لا يتجاوز قلوب أهله ومحبيه وشيعته إلى حين ثم يطوي النسيان ذكراه كما يطوي جميع الذكريات والإحداث .
ولعل ذلك هو الذي اضطر الحسين إلى التريث وعدم مواجهة معاوية بالحرب ودعوة اصحابه وشيعته الذين كانوا يراسلونه ويتوافدون
===============
( 21 )
عليه بين الحين والآخر إلى أن يلتصقوا بالأرض ويكمنوا في بيوتهم ويحترسوا من كل ما يشير حولهم الظنون والشبهات ما دام معاوية حياً .
وكما كان يعرف معاوية وأساليبه كان يعرف أن خليفته الجديد محدود في تفكيره ينساق مع عواطفه وشهواته وتلبية رغباته إلى أبعد الحدود بارتكاب المحارم والآثام والتحلل من التقاليد الإسلامية ويندفع مع نزقه فيما يعترضه من الصعاب من غير تقدير لما وراءها من المخاطر ، ومن اجل ذلك وقف من بيعته ذلك الموقف واعبرها من أخطر الإحداث على مصير الأمة ومقدراتها ، ولم يجد بدا من مقاومتها وهو يعلم بأن وراء مقاومته الشهادة وان شهادته ستؤدي دورها الكامل وتصنع الإنتفاضة تلو الأخرى ، حتى النصر ، ولم يكن باستطاعة يزيد مواجهتها بالأساليب التي اعتاد ابوه تغطية جرائمه بها ، لأنه كما وصفه البلاذري في أنساب الأشراف من أبعد الناس عن الحذر والحيطة والتروي صغير العقل متهوراً سطحي التفكير لا يهم بشيء إلا ركبه ، ومن كان بهذه الصفات لا بد وأن يواجه الإحداث بالأسلوب الذي يتفق مع شخصيته ، وهو ما حدث في النهاية بالنسبة إليها وإلى غيرها من المشاكل التي واجهته خلال السنين الخمس التي حكم فيها بعد أبيه .
ثـَورة الإمام الحسَـيْن عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
ثـَورة الإمام الحسَـيْن عليه السلام
تَنَفَسَ يزيد الصعْداءَ وَهُوَ يَجلِسُ عَلى كُرسيِّ الحُكْمِ بَعدَ مَوتِ أَبِيهِ، ثُمَّ راحَ يُرَدِّدُ بِفَرحٍ شَدِيدٍ:
" لَقدْ أَصبَحتُ حاكِماً.."
لكِنَّ سِرعانَ مَا صَرَخَ هاتِفٌ في رَأسِهِ:
"لقد آن الأوان لِيَنكَشِفَ ذلِكَ الغِطاءُ.."
اِنتَفَضَ صَارِخاً: أيَّ غطاءٍ.. ؟!
أجابه الهاتف:
"ذلِكَ الغِطاءُ الّذِي حَرَصَ والدُك عَلى أَنْ يَبقى مُسدِلاً عَلى جَميعِ تَصَرُفاتِهِ وَأَفعالِهِ.. فَاستَطاعَ بِذلِكَ أَنْ يُمرِّرَ سِياسَتَهُ عَلى عُقولِ الناسِ.. وَقَدْ بَذَلَ قُصارى جُهدِهِ لِيبقى الغِطاءُ بَرّاقاً ، فَحاوَلَ بِذلِكَ مَنَحَ سُلُوكَهُ الصفَةَ الشَرعيّةَ أَمامَ الرأي العامّ..."
أَخَذَ الخوفُ يَتَسَرَّبُ إِلى أعْماقِ يَزيدَ وَهُوَ يُحاوِلُ مُقاوِمَتَهُ بِتَحَدِّي ذلِكَ الصوتِ الصارِخِ فِي رَأسِهِ:
وأَنا كَذلِكَ.. سَأُواصِلُ طَرِيقَ والِدي فِي الُمحافَظَةِ عَلى ذلِكَ الغِطاءِ مُسدِلاً عَلى سياستي..
تَتَعالى فِي رَأْسِهِ قَهقَهاتُ ضِحكٍ.. ثُمَّ يَصرُخُ ذلِكَ الهاتِفُ:
"أَنتَ.. ؟!! مَنْ لا يَعرفُ يَزيدَ بنَ معاويةَ هذا الّذِي يَشْرَبُ الخَمْرَ والمُولِعَ بتربية القُرودِ والطُيورِ ، وَفِي إِقامَةِ مَجالِسِ اللّهوِ والغِناءِ..
أَيُّ مّجتَمَعٍ إِسلاميٍّ يرضى أَنْ يَعِيشَ عَصْرَ الجاهِليَّةِ تَحتَ رايةِ الإسلام.. ثُمَّ إنَّ أَباكَ فَضَحَ نَفْسَهُ حِينَ أَوْصى بالخِلافَةِ إِليكَ وَهْيَ بِحقٍ للإمام الحُسينِ عليه السلام ".
وَضَعَ يَزِيدُ رَأْسَهَ بَينَ يَدَيهِ .. وَاستَغْرَقَ فِي تفكيرٍ عَمِيقٍ.. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُردِّدَاً:
سَأَكْتُبُ إِلى والِي المدِينَةِ طالِباً مِنْهُ إرغامَ الحُسَيْنِ عَلى أَخْذِ البَيعةِ مِنْهُ.. نَعَمْ يَجِبُ إِرغامُ الحُسينِ عَلى البَيعةِ لِي..
**********
استلم الوليد بن عتبة والي المدينة، كتاب يزيد بن معاوية وقالَ بِغَضَبٍ شَديدٍ:
مَالِي والحسينَ بنَ فاطِمَةَ..؟!
وَفِي هذِهِ الأثناء تَعالَتْ قَهْقَهاتُ ضِحْكٍ صَدَرَتْ مِنْ خَبِيثٍ كانَ يَجلِسُ قُرْبَ الوَلِيدِ فِي مَجلِسِهِ وَهُوَ: مروان بنُ الحَكَمِ…
فَراحَ الوَليدُ يُحَدِّقُ فِي وَجْهِهِ قائِلاً:
لا أَظنُّ أنَّ الحُسينَ سَيوافِقُ عَلى بيعةِ يَزيدَ.
أجابه مَروانُ:
أَنا أَعلَمُ أَنّهُ لا يُجِيبُكَ عَلى بَيعةِ يَزِيدَ أَبداً.. ولاَ يَرى لَهُ طاعةً عَليهِ.
صمت مَروانُ بُرهةً.. ثُمَّ راحَ يُواصِلُ كَلامَهُ، وَقَدْ ارتَسَمَ حِقْدَهُ وخُبْثَهُ عَلى مَلامِحِ وَجْهِهِ، وقال:
لو كنتُ مَكانَكَ لَمْ أُراجِعَ الحُسينَ بِكَلِمَةٍ واحِدةٍ حَتّى أَضْرِبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ يَعلَمَ بموتِ معاوية.
عَظُمَ كَلامُ مَروانَ عَلى قلبِ الوَليدِ.. فَأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ إِلى الأرض وَراحَ يَبْكِي بِصَمْتٍ وَهُوَ يُرَدِّدُ بِحرْقَةٍ وَأَلَمٍ:
لَيتَ الوَليدُ لَمْ يُولَدْ.. وَلَمْ يَكُنْ شَيئاً مَذكوراً..
تَأَمَّلَ مَروانُ دُموعَ الوَليدِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلى كَلامِهِ.. فَراحَ يُكَلِّمَهُ بِهُدُوءٍ:
أَيُّها الأمير.. لا تَجزَعْ مِمّا ذَكَرتُ لَكَ.. إنَّ آلَ عليٍّ بنِ أَبي طالبٍ أَعداؤُنا مُنذُ القِدَمِ وَما يَزالونَ.. وإنْ لَمْ تُعالجْ أَمْرَ الحُسينِ.. فَسَوْفَ تَسقُطُ مَنْزِلَتُكَ مِنْ أَميرِ المؤمِنِينَ يَزيدَ..
فَصَرَخَ الوَليدُ بِوَجْهِ مَروانَ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ:
وَيْحَكَ دَعْنِي مِنْ كَلامِكَ هذا.. وأَحسِنْ القولَ فِي الحُسينِ بنِ فاطمةَ.. فَإِنَّهُ بَقِيةُ وُلْدِ النّبيّينَ..
*********
بَعَثَ الوليدُ بنُ عُتْبةٍ فِي اسْتِدعاءِ الإمام الحُسينِ عليه السلام وَقَدْ كَانَ الإمام يَعْلَمُ الأمر الّذي مِنْ أَجلِهِ أَرسَلَ الوَليدُ فِي طَلَبِهِ.. وَهذا لأنه رأَى في رُؤياهُ كَأنَّ معاويةَ مَنكوسٌ على رأسِهِ.. وَالنّارُ تَشْتَعِلُ فِي بَيتِهِ.. فَعَلِمَ مِنْ ذلِكَ بِهَلاكِهِ.. والوليدُ الآنَ يُريدُ أَنْ يَأْخُذَ البَيعةَ مِنْهُ لِيزِيدَ..
اِغْتَسَلَ الإمامُ عليه السلام وَصَلّى رَكعتَينِ ثُمَّ دَعا ربَّهُ بِما أَحَبَّ.. وأَرسَلَ فِي طَلَبِ فِتْيانِهِ وَمَوالِيهِ وأَهلِ بَيْتِهِ..
فَأَعلَمَهُمْ بِشَأْنِهِ قائِلاً: :
لِيأْخُذْ كُلُّ مِنْكُمْ سَيفَهُ مَسلولاً تَحْتَ ثِيابِهِ.. وَكُونوا بِبابِ هذا الرجُلِ فَإِني ماضٍ إِليه ومُكَلِّمُه.. فَإِنْ سَمِعْتُمْ صَوتِي قَدْ عَلا مَعَ القَومِ.. وَصِحْتُ بِكُمْ يا آلَ الرَسُولِ.. اِقْتَحِمُوا البابَ بِغيرِ إِذْنٍ.. وَاشْهَرُوا السيُوفَ وَلا تَعْجِلُوا.. فَإِنْ رَأَيْتُمْ مَا تَخْشَونَ ضَعُوا سِيوفَكُمْ فِيهِمْ.. وَاقْتَلُوا مَنْ أَرادَ قَتلِي..
خَرَجَ الحُسينُ عليه السلام مِنْ مَنْزِلِهِ.. وَمَعَهُ ثَلاثُونَ رَجُلاً مِنْ أَهلِ بَيْتِهِ وَمُوالِيهِ وَشِيعَتِهِ.. فَأَوقَفَهُمْ عَلى بابِ الوَليدِ قائِلاً لَهُمْ : اُنْظُروا مَا أَوصَيْتُكُمْ بِهِ فَلا تَعِدُوه.. وأَنا أَرْجُو أَنْ أَخْرُجَ إَليكُمْ سالِماً إِن شاءَ اللهُ..
وَدَخَلَ عَلى الوَليدِ.. فَسَلَّمَ عَلَيهِ ثُمَّ قَالَ :
كَيفَ أَصبَحَ الأميرُ اليَومَ..؟ وَكَيفَ حَالُهُ..؟
فَرَدَّ عَليهِ الوَليدُ بنُ عُتبةَ رَدّاً حَسَناً.. وأَدناهُ منه فَأَجْلَسَهُ قُربَهُ.. وَمروانُ بنُ الحَكَمِ، ذلِكَ الخَبيثُ، كانَ جالِساً يَنْظُرُ إِليهِما.. فَسَأَلَ الإمام الحُسينُ عليه السلام الوَليدَ عَنْ أَمر مُعاويةَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعلَمْ مِنْ أَمرِهِ شَيئاً:
هَلْ وَرَدَ عَلَيكُمْ خَبرٌ من مُعاويةَ..؟ إِنَّهُ كانَ عَليلاً وَقَدْ طالتْ عِلَّتُهُ.. فَكَيفَ حالُهُ الآنَ..؟
تَأَوَّهَ الوَليدُ.. وَتَنفَّسَ الصَّعداءَ.. ثُمَّ قَالَ للإمامِ الحسينِ عليه السلام: يَا أَبا عبدِاللهِ.. لَقَدْ ذاقَ المَوتَ..
فقالَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام لِلوَلِيدِ:
إِنّا للهِ وَإِنّا إِليه راجِعونَ.. ولكنْ لِماذا دَعَوْتَني..؟
فَأَجابَ الوَليدُ: دَعَوتُكَ للبَيعةِ الّتي اجْتَمَعَ الناسُ عَلَيْها..
فَقالَ الإمام الحُسينُ عليه السلام:
أَيُّها الأميرُ.. إِنَّ مِثْلِي لاَ يَعطِي بَيعَتَهُ سِرّاً.. وَإِنَّما يَجِبُ أَنْ تَكونَ البيعةُ عَلانيةً بِحَضْرَةِ الْجَماعَةِ.. فَإِذا دَعوتَ النّاسَ غَداً إلى البَيعةِ.. دَعَوتَنا مَعَهُمْ..
فَردَّ عليهِ الوليدُ : وَاللهِ لَقَدْ قُلتَ فَأَحْسَنْتَ.. وَهكَذا كانَ ظَنّي بِكَ.
وَهُنا قامَ مَروانُ صارِخاً بالوليدِ : أَيُّها الأميرُ إنْ فارقَكَ الساعةَ ولم يُبايعْ.. فَإنّك لا تَقْدِرْ مِنْهُ عَلى مِثْلِها أَبداً.. فَاحْبِسْهُ عِنْدَكَ وَلاَ تَدَعْهُ يَخرجُ حَتّى يّبايعَ.. وَإنْ لَمْ يَفعلْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ..
فَقَالَ لَهُ الإمام الحُسينُ عليه السلام:
وَيْلِي عَليكَ يا ابن الزَرْقاءَ.. أَتأمُرُ بِضَربِ عُنُقِي..؟ كَذَبْتَ واللهِ ولَؤُمْتَ.. وَاللهِ لَوْ رامَ ذلِكَ أَحدٌ لَسقِيتُ الأرض مِنْ دَمِهِ.. فَإِنْ شِئْتَ ذلِكَ فَرُمْ أَنتَ ضَربَ عُنُقِي إِنْ كُنتَ صادِقاً..
ثُمَّ التفتَ إلى الوليدِ قائلاً:
أيُّها الأَمير.. إنّا أهلُ بيتِ النُّبوةِ.. ومَعدَنِ الرسالَةِ..
ومُخْتَلَفِ المَلائِكَةِ.. وَمَهبطُ الرَّحمَةِ.. بِنا فَتَحَ اللهُ وبِنا خَتَمَ.. ويَزِيدُ رَجلٌ فاسقٌ.. شاربٌ للخَمْرِ.. قاتلٌ للنَّفسِ.. ومُعْلِنٌ للفِسقِ.. فَمِثْلِي لاَ يُبايِعُ مِثْلَهُ.. سنُصبحُ وتَصبَحُونَ.. وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرونَ أَيُّنا أَحقُّ بِالخِلافَةِ والبَيعَةِ..
وسَمَعَ الّذينَ عَلى البابِ صَوتَ الحُسينِ عليه السلام قَدْ عَلا.. فَهَمُّوا أَن يَقْتَحِمُوا عَلَيهِمْ المَكانَ بِسِيُوفِهم.. وَلكنَّهُمْ فُوجِئُوا بِالإمامِ الحُسينِ عليه السلام يَخْرُجُ إِليهِمْ.. فَأَمَرَهُمْ بِالاِِنْصِرافِ إِلى مَنازلِهِمْ..
وَبَعْدها قَالَ مروانُ بنُ الحكمِ مُعاتِباً الوليدَ:
إِنَّكَ عَصَيْتَنِي أَيُّها الأَميرُ حَتّى أَفلَتَ الحسينُ مِنْ يَدِكَ.. سَيَخْرُجُ عَليكَ وعَلى يَزِيدَ.. فَاعْلَم ذلِكَ..
فَقالَ لَهُ الوليدُ :
وَيحَكَ إِنَّكَ قَدْ أَشَرْتَ عَليَّ بِقَتْلِ الحُسينِ.. وَفِي قَتْلِهِ ذَهابُ دِيني ودُنيايَ.. وَاللهِ لاَ أُحِبُّ أَنْ أَمْلِكَ الدُنيا بِأَسْرِها.. شَرْقَها وَغَرْبَها.. إِزاءَ قَتْلِ الحسينِ بنِ فاطِمةَ.. وَما أَظُنُ أَحداً يَلْقِي اللهَ يَومَ القِيامةِ بِدمِهِ إِلاّ وَهُوَ خَفِيف المِيزانِ عِنْدَ اللهِ. لاَ يَنْظُرُ إِليهِ.. وَلاَ يُزَكِّيهِ.. وَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ..
***********
أَصْبَحَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام وإِذا بِمروانَ بنُ الحَكَمِ يَعتَرِضُهُ فِي طريقِهِ قائِلاً: أَبا عَبدِاللهِ.. إِنّي أُرشُدكَ إلى بَيعةِ يَزِيدَ فَإنّها خيرُ لَكَ فِي دِينِك ودُنياكَ..
فَاستَرْجَعَ الإِمامُ الحُسَينُ عليه السلام :
إنّا للهِ وَإنّا إِليهِ راجِعونَ.. وعَلى الإِسلامِ السلامُ إِذا ابتُليتْ الأمّةُ بِراعٍ مِثْلِ يَزِيدَ.. يَا مَروانُ أَتَرشُدُنِي لِبيعةِ يَزيدَ.. وَيَزِيدُ رَجلٌ فاسِقٌ؟ لَقَدْ قُلتَ شَطَطاً وَزلَلاً.. وَلاَ أَلُومُكَ فَإنَّكَ اللّعينُ الّذِي لَعَنَكَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَنْتَ في صُلْبِ أَبِيكَ الحَكَمِ بنِ العاصِ.. وَمَنْ لَعَنَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلا يُنْكَرُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُو لِبيعةِ يَزيدَ.. إِليكَ عَنّي ياعَدوَّ اللهِ.. فَإِنّا أَهلُ بيتِ رَسولِ اللهِ.. اَلحقُّ فِينا يَنْطِقُ على أَلسِنَتِنا.. وَقَدْ سَمِعْتُ جَدّي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ : الخِلافَةُ مُحرَّمَةٌ على آلِ أَبي سُفيانَ الطُلَقاءِ وأبناءِ الطُلَقاءِ.. فَإذا رَأَيتُمْ مُعاويةَ عَلى مَنْبَري فَأَبْقِرُوا بَطْنَهُ .
وَلَقَدْ رَآهُ أَهلُ المَدينةِ عَلى مَنْبَرِ الرَّسُولِ فَلَمْ يَفْعَلُوا بِهِ مَا أُمِروا.. فَابتَلاهُمْ اللهُ تَعالى بِابنِهِ يَزِيدَ..
فَقالَ مَروانُ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ:
وَاللهِ لا تُفارِقَنِي حَتّى تُبايعَ لِيزِيدَ صاغِراً.. فَإنّكُمْ آلُ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ مَلَئْتُمْ شَحناءً.. وشَرِبْتُم بُغضَ آلَ أبي سفيانَ.. فحَقَّ لَهُمْ بُغْضَكُمْ..
فَقالَ لَهُ الحسينُ عليه السلام :
إليكَ عَنّي فَإنَّكَ رِجْسٌ.. وَإنّي من أَهلِ بيتِ الطهارَةِ.. قَدْ أَنزَلَ اللهُ فِينا: (إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذهبَ عَنْكُمُ الرِجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهِيرا..) (الاحزاب/33)
فَنَكّسَ مروانُ رَأسَهُ.. وَلَمْ يَنْطِقُ بِكلمةٍ واحدةٍ.. حَتّى قَالَ لَهُ الحسينُ عليه السلام:
أَبْشِرْ يَا ابن الزَّرقاءَ بِكُلِّ ما تَكْرَهُ مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يومَ تَقْدِمُ علَى رَبِّكَ.. فَيسأَلَكَ جَدّي عَنْ حَقّي..
فَمضى مروانُ إلى الوليدِ..وأَخبَرَهُ بِما قَالَهُ الحُسينُ عليه السلام . فَبعثَ الوَليدُ بِثلاثِينَ رَجُلاً فِي طَلَبِهِ.. فَلَمْ يَقْدِروا عَليهِ.. فَكَتَبَ الوليدُ إلى يَزِيدَ.. يُخْبِرَهُ بِأَمرِ الحُسَينِ عليه السلام بِأَنَّهُ لاَ يَرى عَليْهِ طَاعةً وَلا بَيعةً..
***********
بَعْدَ أَنْ وَصَلَ كِتابُ الوَلِيدُ إِلى يَزيدَ.. غَضِبَ غَضَبَاً شَدِيدَاً.. فَكَتَبَ إِليهِ كِتاباً يَطْلِبُ فِيهِ رَأْسَ الحُسينِ بنِ عَليٍّ عليه السلام وَيُمنِّيهِ بِجائِزَةٍ عَظِيمَةٍ..
فَأَعْظَمَ الوَلِيدُ ذلِكَ قائِلاً :
وَاللهِ.. لاَ يَراني اللهُ وأَنَا قاتِلُ الحُسَينِ ابنِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم .. وَلَوْ جَعَلَ لِي يَزيدُ الدُنيا وَما فِيها..
خَرَجَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام لَيلاً إلى قَبْرِ جَدِّهِ الرَّسُول صلى الله عليه وآله وسلم فَصلّى هُناكَ.. وَلمّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ جَعَلَ يَدعُو قائِلاً:
اللّهُمَّ إِنَّ هذا قبرُ نبيُّك محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم وأَنَا ابنُ بِنتِ نَبيِكَ.. وَقَدْ حَضَرَني مِنَ الأمرِ مَا قَدْ عَلِمْتَ.. اللّهُمَّ إِنّي أُحِبُّ المَعرُوفَ وأَكرَهُ المُنْكَرَ.. وَإِنّي أَسألُكَ يا ذا الجَلالِ والإِكرامِ بِحَقِّ هذا القَبرِ وَمَنْ فِيهِ.. اِختَرْ لِي مِنْ أَمريَ مَا هُوَ لَكَ رِضىً.. ولِرَسُولِكَ رِضىً.. وَللمؤمنينَ رِضىً..
ثُمَّ جَعَلَ يَبكي حَتّى صارَ قريباً مِنَ الفَجْرِ.. وَضَعَ رَأْسَهُ على القبرِ فَأَخَذَتْهُ إِغفاءةٌ.. وَإِذا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قد أقبلَ عَلَيه بَين كَتِيبةٍ مِنَ المَلائِكَةِ.. فَضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ.. وَقَبَّلَه بِينِ عَيْنَيهِ.. ثُمَّ قالَ لَهُ :
حَبيبي يا حسينُ.. كَأَنِّي أَراكَ عَنْ قَرِيبٍ مُرَمَّلاً بِدِمائِكَ.. مَذبوحاً بأَرضِ كَربلاءِ.. بَينَ عِصابَةٍ مِنْ أُمَّتي.. وَاَنْتَ عَطْشانٌ لاَتُسْقى.. وظَمآن لا تُروى.. حَبيبي يا حسينُ.. إِنَّ اُمَّكَ وَأَباكَ وأَخاكَ قَدِمُوا عَليَّ.. وهُمْ إِليكَ مُشتاقُونَ.. وَإِنَّ لَكَ في الْجنَّةِ دَرجاتٍ لا تَنالُها إلاّ بالشهادةِ..
إِذَنْ.. فَقَدْ حَانَ الوَقْتُ الّذي كانَ يَنْتَظِرُه مُنْذُ نُعومَةِ أَظفارِهِ.. حِينَ تَقَدَّمَ مِنْ أُمِّهِ الزهراءَ عليها السلام يسأَلُها بِحزْنٍ شَدِيدٍ:
لِمَ يُقَبِّلُني جَدّي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ نَحْرِي دونَ فَمِي..؟!
وراحتْ دُمُوعُهُ تَسيلُ عَلى وَجْنَتَيِه.. فَما كانَ مِنْ أُمِّهِ الزهراءِ عليها السلام إِلاّ أَنْ تَتَقَدَّمَ بِالسؤالِ إِلى أَبِيها رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.. فَأَعلَمَها بِما سَيَجْري عَلى وَلَدِها الحُسين عليه السلام..
" لَقَدْ نَزَلَ الأمينُ جِبرَئِيلُ وَأَعْطَى لِرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم زُجَاجَةَ تُرابٍ مِنْ أَرضِ كَربلاءَ.. وَقَدْ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الاِمامَ الحُسينَ عليه السلام سَيُقْتَلُ فِي هذِهِ الأََرضِ.. وَعِنْدَ شَهادَتِهِ سَيَصيرُ هذا التُرابُ دَماً..
فَما كَانَ مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أنْ يَضَعَ هذِهِ الزُجَاجَةَ أَمانَةً بَينَ يَدَي زَوجَتِهِ أُمِّ المؤمنينَ أُمِّ سَلَمةَ وَهُوَ يُعلِمُهَا بِما سَيَحْصُلُ مِنْ أَمرِ الزُجاجَةِ وَأَمرِ الإمامِ الحسينِ عليه السلام"
لِذلِكَ أَوصَى الإمامُ الحسينُ عليه السلام أَخاهُ محمدَ بنَ الحنفيةِ قَبْلَ رَحِيلِهِ قائِلاً:
أَنا عازِمٌ عَلى الخروجِ إِلى مَكَةَ.. وَقَدْ تَهيّأتُ لِذلِكَ أَنا وإخوَتِي وَبَنُو أَخي وَشِيعَتِي مِمَّنْ أَمرُهُمْ أَمري.. ورَأَيُهم رَأْيي.. وَأَمّا أَنْتَ يا أَخي عَليكَ أَنْ تُقِيمَ في المدينةِ.. فَتَكونَ لِي عَيناً عَلَيْهِمْ.. وَلا تُخفِ عَليَّ شَيئاً مِنْ أُمورِهِمْ..
عَلِمَتْ اُمُّ المؤمنينَ اُمُّ سَلَمَةَ بِأَمْرِ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام فَتَذَكَّرَتْ شَيئاً مَضى عَلَيهِ سَنَواتٌ طَويلةٌ.. زُجاجةُ تُرابٍ وَضَعَهَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَمانَةً عِنْدَها.. فَبَعَثَتْ إِلى الإمامِ الحُسينِ عليه السلام تُخْبِرُهُ:
إِنّي أذكُرُكَ اللهَ يا وَلدِي أَنْ لا تَخْرُجْ.. فَقَدْ قَالَ لِي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُقتَلُ الحُسينُ ابني بالعراقِ.. وأَعطانِي مِنَ التُربَةِ قارُورَةً.. أَمَرَني بِحفْظِها.. ومُراعاةِ ما فِيها..
فَبَعثَ إِليها :
وَاللهِ يا أمّاهُ إِنّي لَمقتُولٌ لاَ مَحالةَ.. فَأَينَ المَفَرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ المقْدُورِ..؟
مَا مِنْ الموتِ بُدٌّ.. وَإِنّي لاََعرفُ اليومَ وَالساعةَ والمَكانَ الّذي اُقْتَلُ فِيهِ.. أَعْرِفُ مَكانِي وَمصْرَعِي والبُقعَةَ الّتِي أُدْفَنُ فِيها كَما أَعرفُكِ.. فَإنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُريكِ مَضْجَعِي.. وَمَضْجَعَ مَنْ يُسْتَشْهَدُ مَعِي.. فَعلتُ ذلِكَ..
فَحَضَرتْ اِليهِ قَائلةً : قَدْ شِئْتُ ذلِكَ..
" فَتَكَلَّمَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام بِاسْمِ اللهِ الأعظمِ.. فَتَخَفَّضَتْ الأرضُ حَتّى أَراهَا مَضْجَعَهُ.. وَمضْجَعَ مَنْ يُسْتَشْهَدُ مَعَهُ.. وأَعْطاها مِنَ التُربَةِ شَيْئاً فَخَلَطَتْهُ بِما كانَ مَعَها فِي تِلْكَ الزُجَاجَةِ.."
ثُمَّ قالَ لَها:
إِنّي اُقْتَلُ فِي يومِ عاشوراءَ.. وَهُوَ اليومُ العاشِرُ مِنْ مُحرَّمِ بَعدَ صَلاةِ الزَوالِ.. فَعَلَيكِ السَّلامُ يا أُماهُ.. وَرَضِيَ اللهُ عَنْكِ بِرضانا عَنْكِ..
*********
جَمَعَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام أصحابه الذِينَ عَزَمُوا عَلى الخُروجِ مَعَهُ إِلى العراقِ.. فَأَعطى كُلَّ واحدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةَ دَنانيرَ وَجَمَلاً يَحمِلُ عَلَيهِ رَحْلَهُ وَزادَهُ.. ثُمَّ طَافَ بِالبيتِ.. وَسَعى بَينَ الصّفا والمَروَةِ.. وَبَعدَها تَهيّأَ لِلخروجِ .. فَحَمَلَ بَناتَهُ وأَخواتَهُ عَلى الَمحمَلِ..
وَخَرجَ مِنْ مَكةَ يَومَ الثُلاثاءِ.. يَومَ التَروِيَةِ لِثمانٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الحَجّةِ.. وَمَعَهُ اثنانٍ وَثَمانُونَ رَجُلاً مِنْ شِيعَتِهِ ومَوالِيهِ وأَهلِ بَيْتِهِ مُتَوجِّهاً إلى العراقِ.. وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَجْنِي مِنْ ثَورَتِهِ هذهِ نَصراً ماديّاً ظاهريّاً.. بَلْ سَوفَ يُسْتَشْهَدُ هُوَ وَأَولادُهُ وَأَصحابُهُ وإِخوَتُهُ.. وَسَتُسْبى نِساؤُهُ.. فَكَيْفَ سَيَسْتَطِيعُ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام بِهذا إِحياءَ الرسالةِ الُمحمّدِيةِ..؟!
نَعَمْ إِنَّ وَضْعَ الُمجتَمعِ الإسلاميِّ فِي مِثْلِ هذِهِ الظُروفِ كانَ يَتَطَلَّبُ القيامَ بِعَمَلٍ استِشهادِيٍّ فَاجِعٍ يُلْهَبُ الروحَ الجِهادِيَّةَ فِي هذا المجتَمَعِ.. وَيَتَضَمَّنُ أَسْمى مَراتبِ التضْحِيَةِ فِي سَبيلِ هذا المبدأ.. كَي يَكونُ مَناراً لِجَمِيعِ الثائِرينَ حِينَ تَلُوحُ لَهُمْ وَعورَةُ الطَريقِ.. وتَضَمَحِلّ أَمامَهُمْ احتِمالاتُ الفَوزِ.. لِذلِكَ شَيَّعَ الاِمامُ الحسينُ عليه السلام خُرُوجَهُ إلى مَعْركَةِ الطَفِ بِكَلِماتِهِ الخالِدةِ:: لَمْ أخرجْ أشِراً ولا بَطِراً.. وَلا مُفسِداً ولا ظالِماً.. وإنّما خَرَجْتُ لطلبِ الإصلاحِ فِي أمَّةِ جَدّي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم .
********
وَيَأْتِي يومُ العاشرِ مِنْ مُحَرَّمِ.. وَالإمامُ الحسينُ عليه السلام فِي ساحةِ المَعْرَكَةِ بِأَرضِ كَربلاءَ يُعاني آلاماً وَ رَزايا لَمْ يَشْهَدُ لَهُما التاريخُ مَثِيلاً.. فَفِي الخيامِ نِساؤُهُ وأَطفالُهُ يَمُوتُونَ عَطَشاً وَهُمْ يَحلَمُونَ بِقَطرةِ ماءٍ.. وَفِي ساحَةِ المعْرَكَةِ سَقَطَ شَهِيداً ،
أَخُوه أَبو الفضلِ العبّاسُ وَهُوَ مَقطوعُ الكَفَينِ عَلى شاطِىءِ الفُراتِ فِي مُحاولةٍ مِنْهُ لِجَلٌبِ الماءِ إِلى النِساءِ والأطفالِ..
واستُشْهِدَ ابنُهُ عليٌّ الأكبرَ.. والقاسمُ بنُ الحَسَنِ عليه السلام. وأَصحابُهُ الّذينَ آثَروا البَقاءَ مَعَهُ..
والأفْجَعُ مِنْ هذا هُوَ اسْتِشهادُ وَلَدِهِ عَبدِاللهِ الرَضيعِ الّذي لَمْ يَتَجاوَزَ عُمْرُهُ بِضْعَةَ شُهورٍ.. كانَ قَد جَفَّ اللّبَنُ فِي صَدْرِ أُمِّهِ الرَّباب.. فَحَمَلَهُ الإمامُ الحُسَينُ عليه السلام بَينَ يَدَيْهِ.. وَوَقَفَ بِهِ أَمامَ الأعداءِ مُخاطِباً إِياهُمْ:
أَنْتُمْ تُقاتِلُونِي وأُقاتِلُكُمْ.. فَما ذَنْبُ هذا الطفلِ الرَّضِيعِ يُعانِي مِنْ شِدَةِ الظَمَأَ..؟ خُذُوهُ أَنْتُمْ مِنّي..واسْقُوهُ جُرْعَةَ ماءٍ..
فَأَجابُوهُ بِسَهْمٍ أَطْلَقَهُ مُجْرِمٌ مِنْهُمْ يُدعى حَرْمَلَةَ بنَ كاهلٍ نَحوَ عُنُقِ الرَّضِيعِ.. فَذَبَحَهُ مِنَ الوَريدِ إِلى الوَرِيدِ.. فَيا أَيُّها الناسُ أَيُّ قلبٍ وعقلٍ يَستطيعانِ أَن يَصْمُدا أمامَ مُصيبةٍ كَهذِهِ..؟!!
وَرَغْمَ كلِّ مَا نَزَلَ بالإمامِ الحُسَينِ عليه السلام مِنْ آلامِ المَصائِبِ المُفْجَعاتِ الّتي استَنْزَفَتْ جَمِيعَ قِواهُ إِلى جانِبِ ذلِكَ الظمأَ الشَدِيدِ الّذِي جَعَلَ لِسَانَهُ كَالخَشَبَةِ اليابِسَةِ.. إِلاّ أَنَّهُ شَهَرَ سَيْفَهُ وَنَزَلَ لِمواجَهَةِ الأعداءِ وَحَمَلَ عَليهم حَملاتٍ مَشهودةً فَما لَبِثَ أنْ رَماهُ أَحدُهُمْ بِحَجَرٍ عَلى جَبْهَتِهِ فَجَعَلَ الدَّمَ يَسِيلُ عَلى عَيْنَيهِ وَوَجْهِهِ.. وبَينما هُوَ يُحاوِلُ مَسْحَ الدَّمَ رَماهُ آخَرُ بسَهْمٍ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ.. فَخَرَقَ السَّهْمُ قلبَ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام وَجَعَلَ الدَّمَ يَتَدَفَّقَ بِغَزارَةٍ.. وَعِنْدَها راحَ الإمامُ يُلَطِّخُ وَجْهَهُ ولِحْيَتَهُ بالدِّماءِ الطاهِرَةِ قائِلاً :
« هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بِعينِ الله.. هكذا أكونُ حَتَّى أَلقى جَدّي رَسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم وأَنَا مُخَضَّبٌ بِدَمِي.. فَأَقولُ لَهُ : قَتَلَنِي فلانُ.. وفلانُ »..
وَيومَها كانَتْ أمُّ المؤمِنِينَ أمُّ سَلَمَةَ تُحَدِّقُ بِكُلِّ لَوعةٍ وأَلَمٍ في زُجاجَةِ التُرابِ.. وَإِذا بِها فَجأَةً..!! تَتَحَوَّلُ إلى دَمٍ أَحْمَرٍ..
لَقَدْ اسْتُشْهِدَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام مِنْ أَجْلِ إِحياءِ الرِّسالَةِ المحمَّدِيةِ..
وَبِهذِهِ الفاجِعَةِ الّتِي سَتَهِزُّ ضَمِيرَ الُمجْتَمعِ الإسلاميِّ وَتُشَكّلُ انفِعالاً عَمِيقاً يَغْمُرُ النَّفْسَ فَيَدْفَعَها إلى الثَّورَةِ مِنْ أَجْلِ كَرامَتِها...
ويَبعَثُ فِي الروحِ الهامدةِ جُذْوَةً جَدِيدةً لا يَخْمِدُ أَوارُها عَلى مَرِّ الأعوامِ والقُرونِ..
***********
فَلَمْ تَكُنْ واقِعَةُ الطفِ قَضِيَّةً مَأْساوِيَةً عابِرَةً حَدَثَتْ في مَرحَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ التارِيخِ فَحَسْبُ.. وَإِنَّما هِيَ صُورةٌ متكاملةٌ لِتَجْسِيدِ الصّراعِ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ.. صورةٌ واقِعِيةٌ تَنْبُضُ بِالحَياةِ تُشَكِّلُ قَلْبَ التارِيخِ الاِِسلاميِّ.
فَلَولاها لَماتَ ذلِكَ التارِيخُ.. هِيَ صَرْخَةٌ تَتَعالى فِي ضَمِيرِ الإِنسانِيةِ كُلّما أَسْدَلَ التاريخُ سَتَائِرَهُ،
يَظْهَرُ أَمامَ العالَمِ جَسَدَ الإمامِ الحُسَينِ عليه السلام مُضَرَّجاً بِدِمائِهِ يَجْثُمُ فَوْقَهُ اللّعينُ (شِمْرٌ بنُ ذِي الجَوشَن) وَهُوَ يَحِزُّ رَأسَهُ الشَّرِيفَ بالسّيفِ وَمِنْ حَولِهِ آخَرُونَ . مِنْهُمْ مَنْ يَسْلِبُهُ عِمَامَتَهُ ، ومِنْهُمْ مَن يَسْلبُهُ سَيْفَهُ.. ومِنْهُمْ مَنْ يَسْلُبُهُ ثَوْبَهُ.. وَمِنْهُمْ يُحاوِلُ سَلْبَ خَاتِمَهُ فَلَمْ يَستَطِعِ انْتِزاعَهُ فَيَقْطَعَ إِصْبَعَ الإمامِ عليه السلام لِيَحْصُلَ عَلى ذلِكَ الخاتَمِ..
ويُحارُ المرءُ بَينَ أَنْ يُحَدِّقَ فِي هذا المَنْظَرِ أَو في المنظرِ الّذي خَلْفَه..
وَمَاذا خَلْفَ جَسَدِ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام غَيرَ خِيامِهِ الّتِي احتَمَتْ بِها نِساؤُهُ وأَطْفالُهُ..
وَقَدْ أَضرَمُوا فيها النِيرانَ ، فَخَرَجْتِ النِساءُ وَالأطفالُ يَتَصارَخُونَ فَزِعِينَ وَهُمْ يُحاوِلُونَ تَجنِب النِيرانِ.. وَبَيْنما هُمْ عَلى هذِهِ الحالةِ وَإِذا بِخيولِ الأعداءِ تَلْتَفُّ حَولَهُم..
وَهكَذا تَمتَزِجُ الصُورَتانِ فِي صورةٍ واحدةٍ..
فَيُشاهِدَ العالِمُ نِساءَ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام وأَطفالَهُ وَهُمْ يُقادُونَ اُسارى إلى مَجْلِسِ يَزيدَ بنِ مُعاوِيَةَ..
وَمِنْ حَولِهِمْ الرؤوسُ مَرفُوعةٌ على الرِّماحِ . رَأْسُ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام ورُؤوسُ أَهْل بَيتِهِ وَأَصْحابِهِ الّذِينَ أَضاءَتْ أَنوارُهُمْ دُروبَ الإنسانيةِ ، وأَحْيَتْ مَعانِيَ التَضْحِيةِ وَالفِداءِ مِنْ أَجْلِ نُصرَةِ الحَقِّ وَالدينِ .
***********
ثـَورة الإمام الحسَـيْن عليه السلام
تَنَفَسَ يزيد الصعْداءَ وَهُوَ يَجلِسُ عَلى كُرسيِّ الحُكْمِ بَعدَ مَوتِ أَبِيهِ، ثُمَّ راحَ يُرَدِّدُ بِفَرحٍ شَدِيدٍ:
" لَقدْ أَصبَحتُ حاكِماً.."
لكِنَّ سِرعانَ مَا صَرَخَ هاتِفٌ في رَأسِهِ:
"لقد آن الأوان لِيَنكَشِفَ ذلِكَ الغِطاءُ.."
اِنتَفَضَ صَارِخاً: أيَّ غطاءٍ.. ؟!
أجابه الهاتف:
"ذلِكَ الغِطاءُ الّذِي حَرَصَ والدُك عَلى أَنْ يَبقى مُسدِلاً عَلى جَميعِ تَصَرُفاتِهِ وَأَفعالِهِ.. فَاستَطاعَ بِذلِكَ أَنْ يُمرِّرَ سِياسَتَهُ عَلى عُقولِ الناسِ.. وَقَدْ بَذَلَ قُصارى جُهدِهِ لِيبقى الغِطاءُ بَرّاقاً ، فَحاوَلَ بِذلِكَ مَنَحَ سُلُوكَهُ الصفَةَ الشَرعيّةَ أَمامَ الرأي العامّ..."
أَخَذَ الخوفُ يَتَسَرَّبُ إِلى أعْماقِ يَزيدَ وَهُوَ يُحاوِلُ مُقاوِمَتَهُ بِتَحَدِّي ذلِكَ الصوتِ الصارِخِ فِي رَأسِهِ:
وأَنا كَذلِكَ.. سَأُواصِلُ طَرِيقَ والِدي فِي الُمحافَظَةِ عَلى ذلِكَ الغِطاءِ مُسدِلاً عَلى سياستي..
تَتَعالى فِي رَأْسِهِ قَهقَهاتُ ضِحكٍ.. ثُمَّ يَصرُخُ ذلِكَ الهاتِفُ:
"أَنتَ.. ؟!! مَنْ لا يَعرفُ يَزيدَ بنَ معاويةَ هذا الّذِي يَشْرَبُ الخَمْرَ والمُولِعَ بتربية القُرودِ والطُيورِ ، وَفِي إِقامَةِ مَجالِسِ اللّهوِ والغِناءِ..
أَيُّ مّجتَمَعٍ إِسلاميٍّ يرضى أَنْ يَعِيشَ عَصْرَ الجاهِليَّةِ تَحتَ رايةِ الإسلام.. ثُمَّ إنَّ أَباكَ فَضَحَ نَفْسَهُ حِينَ أَوْصى بالخِلافَةِ إِليكَ وَهْيَ بِحقٍ للإمام الحُسينِ عليه السلام ".
وَضَعَ يَزِيدُ رَأْسَهَ بَينَ يَدَيهِ .. وَاستَغْرَقَ فِي تفكيرٍ عَمِيقٍ.. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُردِّدَاً:
سَأَكْتُبُ إِلى والِي المدِينَةِ طالِباً مِنْهُ إرغامَ الحُسَيْنِ عَلى أَخْذِ البَيعةِ مِنْهُ.. نَعَمْ يَجِبُ إِرغامُ الحُسينِ عَلى البَيعةِ لِي..
**********
استلم الوليد بن عتبة والي المدينة، كتاب يزيد بن معاوية وقالَ بِغَضَبٍ شَديدٍ:
مَالِي والحسينَ بنَ فاطِمَةَ..؟!
وَفِي هذِهِ الأثناء تَعالَتْ قَهْقَهاتُ ضِحْكٍ صَدَرَتْ مِنْ خَبِيثٍ كانَ يَجلِسُ قُرْبَ الوَلِيدِ فِي مَجلِسِهِ وَهُوَ: مروان بنُ الحَكَمِ…
فَراحَ الوَليدُ يُحَدِّقُ فِي وَجْهِهِ قائِلاً:
لا أَظنُّ أنَّ الحُسينَ سَيوافِقُ عَلى بيعةِ يَزيدَ.
أجابه مَروانُ:
أَنا أَعلَمُ أَنّهُ لا يُجِيبُكَ عَلى بَيعةِ يَزِيدَ أَبداً.. ولاَ يَرى لَهُ طاعةً عَليهِ.
صمت مَروانُ بُرهةً.. ثُمَّ راحَ يُواصِلُ كَلامَهُ، وَقَدْ ارتَسَمَ حِقْدَهُ وخُبْثَهُ عَلى مَلامِحِ وَجْهِهِ، وقال:
لو كنتُ مَكانَكَ لَمْ أُراجِعَ الحُسينَ بِكَلِمَةٍ واحِدةٍ حَتّى أَضْرِبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ يَعلَمَ بموتِ معاوية.
عَظُمَ كَلامُ مَروانَ عَلى قلبِ الوَليدِ.. فَأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ إِلى الأرض وَراحَ يَبْكِي بِصَمْتٍ وَهُوَ يُرَدِّدُ بِحرْقَةٍ وَأَلَمٍ:
لَيتَ الوَليدُ لَمْ يُولَدْ.. وَلَمْ يَكُنْ شَيئاً مَذكوراً..
تَأَمَّلَ مَروانُ دُموعَ الوَليدِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلى كَلامِهِ.. فَراحَ يُكَلِّمَهُ بِهُدُوءٍ:
أَيُّها الأمير.. لا تَجزَعْ مِمّا ذَكَرتُ لَكَ.. إنَّ آلَ عليٍّ بنِ أَبي طالبٍ أَعداؤُنا مُنذُ القِدَمِ وَما يَزالونَ.. وإنْ لَمْ تُعالجْ أَمْرَ الحُسينِ.. فَسَوْفَ تَسقُطُ مَنْزِلَتُكَ مِنْ أَميرِ المؤمِنِينَ يَزيدَ..
فَصَرَخَ الوَليدُ بِوَجْهِ مَروانَ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ:
وَيْحَكَ دَعْنِي مِنْ كَلامِكَ هذا.. وأَحسِنْ القولَ فِي الحُسينِ بنِ فاطمةَ.. فَإِنَّهُ بَقِيةُ وُلْدِ النّبيّينَ..
*********
بَعَثَ الوليدُ بنُ عُتْبةٍ فِي اسْتِدعاءِ الإمام الحُسينِ عليه السلام وَقَدْ كَانَ الإمام يَعْلَمُ الأمر الّذي مِنْ أَجلِهِ أَرسَلَ الوَليدُ فِي طَلَبِهِ.. وَهذا لأنه رأَى في رُؤياهُ كَأنَّ معاويةَ مَنكوسٌ على رأسِهِ.. وَالنّارُ تَشْتَعِلُ فِي بَيتِهِ.. فَعَلِمَ مِنْ ذلِكَ بِهَلاكِهِ.. والوليدُ الآنَ يُريدُ أَنْ يَأْخُذَ البَيعةَ مِنْهُ لِيزِيدَ..
اِغْتَسَلَ الإمامُ عليه السلام وَصَلّى رَكعتَينِ ثُمَّ دَعا ربَّهُ بِما أَحَبَّ.. وأَرسَلَ فِي طَلَبِ فِتْيانِهِ وَمَوالِيهِ وأَهلِ بَيْتِهِ..
فَأَعلَمَهُمْ بِشَأْنِهِ قائِلاً: :
لِيأْخُذْ كُلُّ مِنْكُمْ سَيفَهُ مَسلولاً تَحْتَ ثِيابِهِ.. وَكُونوا بِبابِ هذا الرجُلِ فَإِني ماضٍ إِليه ومُكَلِّمُه.. فَإِنْ سَمِعْتُمْ صَوتِي قَدْ عَلا مَعَ القَومِ.. وَصِحْتُ بِكُمْ يا آلَ الرَسُولِ.. اِقْتَحِمُوا البابَ بِغيرِ إِذْنٍ.. وَاشْهَرُوا السيُوفَ وَلا تَعْجِلُوا.. فَإِنْ رَأَيْتُمْ مَا تَخْشَونَ ضَعُوا سِيوفَكُمْ فِيهِمْ.. وَاقْتَلُوا مَنْ أَرادَ قَتلِي..
خَرَجَ الحُسينُ عليه السلام مِنْ مَنْزِلِهِ.. وَمَعَهُ ثَلاثُونَ رَجُلاً مِنْ أَهلِ بَيْتِهِ وَمُوالِيهِ وَشِيعَتِهِ.. فَأَوقَفَهُمْ عَلى بابِ الوَليدِ قائِلاً لَهُمْ : اُنْظُروا مَا أَوصَيْتُكُمْ بِهِ فَلا تَعِدُوه.. وأَنا أَرْجُو أَنْ أَخْرُجَ إَليكُمْ سالِماً إِن شاءَ اللهُ..
وَدَخَلَ عَلى الوَليدِ.. فَسَلَّمَ عَلَيهِ ثُمَّ قَالَ :
كَيفَ أَصبَحَ الأميرُ اليَومَ..؟ وَكَيفَ حَالُهُ..؟
فَرَدَّ عَليهِ الوَليدُ بنُ عُتبةَ رَدّاً حَسَناً.. وأَدناهُ منه فَأَجْلَسَهُ قُربَهُ.. وَمروانُ بنُ الحَكَمِ، ذلِكَ الخَبيثُ، كانَ جالِساً يَنْظُرُ إِليهِما.. فَسَأَلَ الإمام الحُسينُ عليه السلام الوَليدَ عَنْ أَمر مُعاويةَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعلَمْ مِنْ أَمرِهِ شَيئاً:
هَلْ وَرَدَ عَلَيكُمْ خَبرٌ من مُعاويةَ..؟ إِنَّهُ كانَ عَليلاً وَقَدْ طالتْ عِلَّتُهُ.. فَكَيفَ حالُهُ الآنَ..؟
تَأَوَّهَ الوَليدُ.. وَتَنفَّسَ الصَّعداءَ.. ثُمَّ قَالَ للإمامِ الحسينِ عليه السلام: يَا أَبا عبدِاللهِ.. لَقَدْ ذاقَ المَوتَ..
فقالَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام لِلوَلِيدِ:
إِنّا للهِ وَإِنّا إِليه راجِعونَ.. ولكنْ لِماذا دَعَوْتَني..؟
فَأَجابَ الوَليدُ: دَعَوتُكَ للبَيعةِ الّتي اجْتَمَعَ الناسُ عَلَيْها..
فَقالَ الإمام الحُسينُ عليه السلام:
أَيُّها الأميرُ.. إِنَّ مِثْلِي لاَ يَعطِي بَيعَتَهُ سِرّاً.. وَإِنَّما يَجِبُ أَنْ تَكونَ البيعةُ عَلانيةً بِحَضْرَةِ الْجَماعَةِ.. فَإِذا دَعوتَ النّاسَ غَداً إلى البَيعةِ.. دَعَوتَنا مَعَهُمْ..
فَردَّ عليهِ الوليدُ : وَاللهِ لَقَدْ قُلتَ فَأَحْسَنْتَ.. وَهكَذا كانَ ظَنّي بِكَ.
وَهُنا قامَ مَروانُ صارِخاً بالوليدِ : أَيُّها الأميرُ إنْ فارقَكَ الساعةَ ولم يُبايعْ.. فَإنّك لا تَقْدِرْ مِنْهُ عَلى مِثْلِها أَبداً.. فَاحْبِسْهُ عِنْدَكَ وَلاَ تَدَعْهُ يَخرجُ حَتّى يّبايعَ.. وَإنْ لَمْ يَفعلْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ..
فَقَالَ لَهُ الإمام الحُسينُ عليه السلام:
وَيْلِي عَليكَ يا ابن الزَرْقاءَ.. أَتأمُرُ بِضَربِ عُنُقِي..؟ كَذَبْتَ واللهِ ولَؤُمْتَ.. وَاللهِ لَوْ رامَ ذلِكَ أَحدٌ لَسقِيتُ الأرض مِنْ دَمِهِ.. فَإِنْ شِئْتَ ذلِكَ فَرُمْ أَنتَ ضَربَ عُنُقِي إِنْ كُنتَ صادِقاً..
ثُمَّ التفتَ إلى الوليدِ قائلاً:
أيُّها الأَمير.. إنّا أهلُ بيتِ النُّبوةِ.. ومَعدَنِ الرسالَةِ..
ومُخْتَلَفِ المَلائِكَةِ.. وَمَهبطُ الرَّحمَةِ.. بِنا فَتَحَ اللهُ وبِنا خَتَمَ.. ويَزِيدُ رَجلٌ فاسقٌ.. شاربٌ للخَمْرِ.. قاتلٌ للنَّفسِ.. ومُعْلِنٌ للفِسقِ.. فَمِثْلِي لاَ يُبايِعُ مِثْلَهُ.. سنُصبحُ وتَصبَحُونَ.. وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرونَ أَيُّنا أَحقُّ بِالخِلافَةِ والبَيعَةِ..
وسَمَعَ الّذينَ عَلى البابِ صَوتَ الحُسينِ عليه السلام قَدْ عَلا.. فَهَمُّوا أَن يَقْتَحِمُوا عَلَيهِمْ المَكانَ بِسِيُوفِهم.. وَلكنَّهُمْ فُوجِئُوا بِالإمامِ الحُسينِ عليه السلام يَخْرُجُ إِليهِمْ.. فَأَمَرَهُمْ بِالاِِنْصِرافِ إِلى مَنازلِهِمْ..
وَبَعْدها قَالَ مروانُ بنُ الحكمِ مُعاتِباً الوليدَ:
إِنَّكَ عَصَيْتَنِي أَيُّها الأَميرُ حَتّى أَفلَتَ الحسينُ مِنْ يَدِكَ.. سَيَخْرُجُ عَليكَ وعَلى يَزِيدَ.. فَاعْلَم ذلِكَ..
فَقالَ لَهُ الوليدُ :
وَيحَكَ إِنَّكَ قَدْ أَشَرْتَ عَليَّ بِقَتْلِ الحُسينِ.. وَفِي قَتْلِهِ ذَهابُ دِيني ودُنيايَ.. وَاللهِ لاَ أُحِبُّ أَنْ أَمْلِكَ الدُنيا بِأَسْرِها.. شَرْقَها وَغَرْبَها.. إِزاءَ قَتْلِ الحسينِ بنِ فاطِمةَ.. وَما أَظُنُ أَحداً يَلْقِي اللهَ يَومَ القِيامةِ بِدمِهِ إِلاّ وَهُوَ خَفِيف المِيزانِ عِنْدَ اللهِ. لاَ يَنْظُرُ إِليهِ.. وَلاَ يُزَكِّيهِ.. وَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ..
***********
أَصْبَحَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام وإِذا بِمروانَ بنُ الحَكَمِ يَعتَرِضُهُ فِي طريقِهِ قائِلاً: أَبا عَبدِاللهِ.. إِنّي أُرشُدكَ إلى بَيعةِ يَزِيدَ فَإنّها خيرُ لَكَ فِي دِينِك ودُنياكَ..
فَاستَرْجَعَ الإِمامُ الحُسَينُ عليه السلام :
إنّا للهِ وَإنّا إِليهِ راجِعونَ.. وعَلى الإِسلامِ السلامُ إِذا ابتُليتْ الأمّةُ بِراعٍ مِثْلِ يَزِيدَ.. يَا مَروانُ أَتَرشُدُنِي لِبيعةِ يَزيدَ.. وَيَزِيدُ رَجلٌ فاسِقٌ؟ لَقَدْ قُلتَ شَطَطاً وَزلَلاً.. وَلاَ أَلُومُكَ فَإنَّكَ اللّعينُ الّذِي لَعَنَكَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَنْتَ في صُلْبِ أَبِيكَ الحَكَمِ بنِ العاصِ.. وَمَنْ لَعَنَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلا يُنْكَرُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُو لِبيعةِ يَزيدَ.. إِليكَ عَنّي ياعَدوَّ اللهِ.. فَإِنّا أَهلُ بيتِ رَسولِ اللهِ.. اَلحقُّ فِينا يَنْطِقُ على أَلسِنَتِنا.. وَقَدْ سَمِعْتُ جَدّي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ : الخِلافَةُ مُحرَّمَةٌ على آلِ أَبي سُفيانَ الطُلَقاءِ وأبناءِ الطُلَقاءِ.. فَإذا رَأَيتُمْ مُعاويةَ عَلى مَنْبَري فَأَبْقِرُوا بَطْنَهُ .
وَلَقَدْ رَآهُ أَهلُ المَدينةِ عَلى مَنْبَرِ الرَّسُولِ فَلَمْ يَفْعَلُوا بِهِ مَا أُمِروا.. فَابتَلاهُمْ اللهُ تَعالى بِابنِهِ يَزِيدَ..
فَقالَ مَروانُ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ:
وَاللهِ لا تُفارِقَنِي حَتّى تُبايعَ لِيزِيدَ صاغِراً.. فَإنّكُمْ آلُ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ مَلَئْتُمْ شَحناءً.. وشَرِبْتُم بُغضَ آلَ أبي سفيانَ.. فحَقَّ لَهُمْ بُغْضَكُمْ..
فَقالَ لَهُ الحسينُ عليه السلام :
إليكَ عَنّي فَإنَّكَ رِجْسٌ.. وَإنّي من أَهلِ بيتِ الطهارَةِ.. قَدْ أَنزَلَ اللهُ فِينا: (إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذهبَ عَنْكُمُ الرِجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهِيرا..) (الاحزاب/33)
فَنَكّسَ مروانُ رَأسَهُ.. وَلَمْ يَنْطِقُ بِكلمةٍ واحدةٍ.. حَتّى قَالَ لَهُ الحسينُ عليه السلام:
أَبْشِرْ يَا ابن الزَّرقاءَ بِكُلِّ ما تَكْرَهُ مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يومَ تَقْدِمُ علَى رَبِّكَ.. فَيسأَلَكَ جَدّي عَنْ حَقّي..
فَمضى مروانُ إلى الوليدِ..وأَخبَرَهُ بِما قَالَهُ الحُسينُ عليه السلام . فَبعثَ الوَليدُ بِثلاثِينَ رَجُلاً فِي طَلَبِهِ.. فَلَمْ يَقْدِروا عَليهِ.. فَكَتَبَ الوليدُ إلى يَزِيدَ.. يُخْبِرَهُ بِأَمرِ الحُسَينِ عليه السلام بِأَنَّهُ لاَ يَرى عَليْهِ طَاعةً وَلا بَيعةً..
***********
بَعْدَ أَنْ وَصَلَ كِتابُ الوَلِيدُ إِلى يَزيدَ.. غَضِبَ غَضَبَاً شَدِيدَاً.. فَكَتَبَ إِليهِ كِتاباً يَطْلِبُ فِيهِ رَأْسَ الحُسينِ بنِ عَليٍّ عليه السلام وَيُمنِّيهِ بِجائِزَةٍ عَظِيمَةٍ..
فَأَعْظَمَ الوَلِيدُ ذلِكَ قائِلاً :
وَاللهِ.. لاَ يَراني اللهُ وأَنَا قاتِلُ الحُسَينِ ابنِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم .. وَلَوْ جَعَلَ لِي يَزيدُ الدُنيا وَما فِيها..
خَرَجَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام لَيلاً إلى قَبْرِ جَدِّهِ الرَّسُول صلى الله عليه وآله وسلم فَصلّى هُناكَ.. وَلمّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ جَعَلَ يَدعُو قائِلاً:
اللّهُمَّ إِنَّ هذا قبرُ نبيُّك محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم وأَنَا ابنُ بِنتِ نَبيِكَ.. وَقَدْ حَضَرَني مِنَ الأمرِ مَا قَدْ عَلِمْتَ.. اللّهُمَّ إِنّي أُحِبُّ المَعرُوفَ وأَكرَهُ المُنْكَرَ.. وَإِنّي أَسألُكَ يا ذا الجَلالِ والإِكرامِ بِحَقِّ هذا القَبرِ وَمَنْ فِيهِ.. اِختَرْ لِي مِنْ أَمريَ مَا هُوَ لَكَ رِضىً.. ولِرَسُولِكَ رِضىً.. وَللمؤمنينَ رِضىً..
ثُمَّ جَعَلَ يَبكي حَتّى صارَ قريباً مِنَ الفَجْرِ.. وَضَعَ رَأْسَهُ على القبرِ فَأَخَذَتْهُ إِغفاءةٌ.. وَإِذا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قد أقبلَ عَلَيه بَين كَتِيبةٍ مِنَ المَلائِكَةِ.. فَضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ.. وَقَبَّلَه بِينِ عَيْنَيهِ.. ثُمَّ قالَ لَهُ :
حَبيبي يا حسينُ.. كَأَنِّي أَراكَ عَنْ قَرِيبٍ مُرَمَّلاً بِدِمائِكَ.. مَذبوحاً بأَرضِ كَربلاءِ.. بَينَ عِصابَةٍ مِنْ أُمَّتي.. وَاَنْتَ عَطْشانٌ لاَتُسْقى.. وظَمآن لا تُروى.. حَبيبي يا حسينُ.. إِنَّ اُمَّكَ وَأَباكَ وأَخاكَ قَدِمُوا عَليَّ.. وهُمْ إِليكَ مُشتاقُونَ.. وَإِنَّ لَكَ في الْجنَّةِ دَرجاتٍ لا تَنالُها إلاّ بالشهادةِ..
إِذَنْ.. فَقَدْ حَانَ الوَقْتُ الّذي كانَ يَنْتَظِرُه مُنْذُ نُعومَةِ أَظفارِهِ.. حِينَ تَقَدَّمَ مِنْ أُمِّهِ الزهراءَ عليها السلام يسأَلُها بِحزْنٍ شَدِيدٍ:
لِمَ يُقَبِّلُني جَدّي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ نَحْرِي دونَ فَمِي..؟!
وراحتْ دُمُوعُهُ تَسيلُ عَلى وَجْنَتَيِه.. فَما كانَ مِنْ أُمِّهِ الزهراءِ عليها السلام إِلاّ أَنْ تَتَقَدَّمَ بِالسؤالِ إِلى أَبِيها رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.. فَأَعلَمَها بِما سَيَجْري عَلى وَلَدِها الحُسين عليه السلام..
" لَقَدْ نَزَلَ الأمينُ جِبرَئِيلُ وَأَعْطَى لِرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم زُجَاجَةَ تُرابٍ مِنْ أَرضِ كَربلاءَ.. وَقَدْ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الاِمامَ الحُسينَ عليه السلام سَيُقْتَلُ فِي هذِهِ الأََرضِ.. وَعِنْدَ شَهادَتِهِ سَيَصيرُ هذا التُرابُ دَماً..
فَما كَانَ مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أنْ يَضَعَ هذِهِ الزُجَاجَةَ أَمانَةً بَينَ يَدَي زَوجَتِهِ أُمِّ المؤمنينَ أُمِّ سَلَمةَ وَهُوَ يُعلِمُهَا بِما سَيَحْصُلُ مِنْ أَمرِ الزُجاجَةِ وَأَمرِ الإمامِ الحسينِ عليه السلام"
لِذلِكَ أَوصَى الإمامُ الحسينُ عليه السلام أَخاهُ محمدَ بنَ الحنفيةِ قَبْلَ رَحِيلِهِ قائِلاً:
أَنا عازِمٌ عَلى الخروجِ إِلى مَكَةَ.. وَقَدْ تَهيّأتُ لِذلِكَ أَنا وإخوَتِي وَبَنُو أَخي وَشِيعَتِي مِمَّنْ أَمرُهُمْ أَمري.. ورَأَيُهم رَأْيي.. وَأَمّا أَنْتَ يا أَخي عَليكَ أَنْ تُقِيمَ في المدينةِ.. فَتَكونَ لِي عَيناً عَلَيْهِمْ.. وَلا تُخفِ عَليَّ شَيئاً مِنْ أُمورِهِمْ..
عَلِمَتْ اُمُّ المؤمنينَ اُمُّ سَلَمَةَ بِأَمْرِ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام فَتَذَكَّرَتْ شَيئاً مَضى عَلَيهِ سَنَواتٌ طَويلةٌ.. زُجاجةُ تُرابٍ وَضَعَهَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَمانَةً عِنْدَها.. فَبَعَثَتْ إِلى الإمامِ الحُسينِ عليه السلام تُخْبِرُهُ:
إِنّي أذكُرُكَ اللهَ يا وَلدِي أَنْ لا تَخْرُجْ.. فَقَدْ قَالَ لِي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُقتَلُ الحُسينُ ابني بالعراقِ.. وأَعطانِي مِنَ التُربَةِ قارُورَةً.. أَمَرَني بِحفْظِها.. ومُراعاةِ ما فِيها..
فَبَعثَ إِليها :
وَاللهِ يا أمّاهُ إِنّي لَمقتُولٌ لاَ مَحالةَ.. فَأَينَ المَفَرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ المقْدُورِ..؟
مَا مِنْ الموتِ بُدٌّ.. وَإِنّي لاََعرفُ اليومَ وَالساعةَ والمَكانَ الّذي اُقْتَلُ فِيهِ.. أَعْرِفُ مَكانِي وَمصْرَعِي والبُقعَةَ الّتِي أُدْفَنُ فِيها كَما أَعرفُكِ.. فَإنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُريكِ مَضْجَعِي.. وَمَضْجَعَ مَنْ يُسْتَشْهَدُ مَعِي.. فَعلتُ ذلِكَ..
فَحَضَرتْ اِليهِ قَائلةً : قَدْ شِئْتُ ذلِكَ..
" فَتَكَلَّمَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام بِاسْمِ اللهِ الأعظمِ.. فَتَخَفَّضَتْ الأرضُ حَتّى أَراهَا مَضْجَعَهُ.. وَمضْجَعَ مَنْ يُسْتَشْهَدُ مَعَهُ.. وأَعْطاها مِنَ التُربَةِ شَيْئاً فَخَلَطَتْهُ بِما كانَ مَعَها فِي تِلْكَ الزُجَاجَةِ.."
ثُمَّ قالَ لَها:
إِنّي اُقْتَلُ فِي يومِ عاشوراءَ.. وَهُوَ اليومُ العاشِرُ مِنْ مُحرَّمِ بَعدَ صَلاةِ الزَوالِ.. فَعَلَيكِ السَّلامُ يا أُماهُ.. وَرَضِيَ اللهُ عَنْكِ بِرضانا عَنْكِ..
*********
جَمَعَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام أصحابه الذِينَ عَزَمُوا عَلى الخُروجِ مَعَهُ إِلى العراقِ.. فَأَعطى كُلَّ واحدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةَ دَنانيرَ وَجَمَلاً يَحمِلُ عَلَيهِ رَحْلَهُ وَزادَهُ.. ثُمَّ طَافَ بِالبيتِ.. وَسَعى بَينَ الصّفا والمَروَةِ.. وَبَعدَها تَهيّأَ لِلخروجِ .. فَحَمَلَ بَناتَهُ وأَخواتَهُ عَلى الَمحمَلِ..
وَخَرجَ مِنْ مَكةَ يَومَ الثُلاثاءِ.. يَومَ التَروِيَةِ لِثمانٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الحَجّةِ.. وَمَعَهُ اثنانٍ وَثَمانُونَ رَجُلاً مِنْ شِيعَتِهِ ومَوالِيهِ وأَهلِ بَيْتِهِ مُتَوجِّهاً إلى العراقِ.. وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَجْنِي مِنْ ثَورَتِهِ هذهِ نَصراً ماديّاً ظاهريّاً.. بَلْ سَوفَ يُسْتَشْهَدُ هُوَ وَأَولادُهُ وَأَصحابُهُ وإِخوَتُهُ.. وَسَتُسْبى نِساؤُهُ.. فَكَيْفَ سَيَسْتَطِيعُ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام بِهذا إِحياءَ الرسالةِ الُمحمّدِيةِ..؟!
نَعَمْ إِنَّ وَضْعَ الُمجتَمعِ الإسلاميِّ فِي مِثْلِ هذِهِ الظُروفِ كانَ يَتَطَلَّبُ القيامَ بِعَمَلٍ استِشهادِيٍّ فَاجِعٍ يُلْهَبُ الروحَ الجِهادِيَّةَ فِي هذا المجتَمَعِ.. وَيَتَضَمَّنُ أَسْمى مَراتبِ التضْحِيَةِ فِي سَبيلِ هذا المبدأ.. كَي يَكونُ مَناراً لِجَمِيعِ الثائِرينَ حِينَ تَلُوحُ لَهُمْ وَعورَةُ الطَريقِ.. وتَضَمَحِلّ أَمامَهُمْ احتِمالاتُ الفَوزِ.. لِذلِكَ شَيَّعَ الاِمامُ الحسينُ عليه السلام خُرُوجَهُ إلى مَعْركَةِ الطَفِ بِكَلِماتِهِ الخالِدةِ:: لَمْ أخرجْ أشِراً ولا بَطِراً.. وَلا مُفسِداً ولا ظالِماً.. وإنّما خَرَجْتُ لطلبِ الإصلاحِ فِي أمَّةِ جَدّي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم .
********
وَيَأْتِي يومُ العاشرِ مِنْ مُحَرَّمِ.. وَالإمامُ الحسينُ عليه السلام فِي ساحةِ المَعْرَكَةِ بِأَرضِ كَربلاءَ يُعاني آلاماً وَ رَزايا لَمْ يَشْهَدُ لَهُما التاريخُ مَثِيلاً.. فَفِي الخيامِ نِساؤُهُ وأَطفالُهُ يَمُوتُونَ عَطَشاً وَهُمْ يَحلَمُونَ بِقَطرةِ ماءٍ.. وَفِي ساحَةِ المعْرَكَةِ سَقَطَ شَهِيداً ،
أَخُوه أَبو الفضلِ العبّاسُ وَهُوَ مَقطوعُ الكَفَينِ عَلى شاطِىءِ الفُراتِ فِي مُحاولةٍ مِنْهُ لِجَلٌبِ الماءِ إِلى النِساءِ والأطفالِ..
واستُشْهِدَ ابنُهُ عليٌّ الأكبرَ.. والقاسمُ بنُ الحَسَنِ عليه السلام. وأَصحابُهُ الّذينَ آثَروا البَقاءَ مَعَهُ..
والأفْجَعُ مِنْ هذا هُوَ اسْتِشهادُ وَلَدِهِ عَبدِاللهِ الرَضيعِ الّذي لَمْ يَتَجاوَزَ عُمْرُهُ بِضْعَةَ شُهورٍ.. كانَ قَد جَفَّ اللّبَنُ فِي صَدْرِ أُمِّهِ الرَّباب.. فَحَمَلَهُ الإمامُ الحُسَينُ عليه السلام بَينَ يَدَيْهِ.. وَوَقَفَ بِهِ أَمامَ الأعداءِ مُخاطِباً إِياهُمْ:
أَنْتُمْ تُقاتِلُونِي وأُقاتِلُكُمْ.. فَما ذَنْبُ هذا الطفلِ الرَّضِيعِ يُعانِي مِنْ شِدَةِ الظَمَأَ..؟ خُذُوهُ أَنْتُمْ مِنّي..واسْقُوهُ جُرْعَةَ ماءٍ..
فَأَجابُوهُ بِسَهْمٍ أَطْلَقَهُ مُجْرِمٌ مِنْهُمْ يُدعى حَرْمَلَةَ بنَ كاهلٍ نَحوَ عُنُقِ الرَّضِيعِ.. فَذَبَحَهُ مِنَ الوَريدِ إِلى الوَرِيدِ.. فَيا أَيُّها الناسُ أَيُّ قلبٍ وعقلٍ يَستطيعانِ أَن يَصْمُدا أمامَ مُصيبةٍ كَهذِهِ..؟!!
وَرَغْمَ كلِّ مَا نَزَلَ بالإمامِ الحُسَينِ عليه السلام مِنْ آلامِ المَصائِبِ المُفْجَعاتِ الّتي استَنْزَفَتْ جَمِيعَ قِواهُ إِلى جانِبِ ذلِكَ الظمأَ الشَدِيدِ الّذِي جَعَلَ لِسَانَهُ كَالخَشَبَةِ اليابِسَةِ.. إِلاّ أَنَّهُ شَهَرَ سَيْفَهُ وَنَزَلَ لِمواجَهَةِ الأعداءِ وَحَمَلَ عَليهم حَملاتٍ مَشهودةً فَما لَبِثَ أنْ رَماهُ أَحدُهُمْ بِحَجَرٍ عَلى جَبْهَتِهِ فَجَعَلَ الدَّمَ يَسِيلُ عَلى عَيْنَيهِ وَوَجْهِهِ.. وبَينما هُوَ يُحاوِلُ مَسْحَ الدَّمَ رَماهُ آخَرُ بسَهْمٍ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ.. فَخَرَقَ السَّهْمُ قلبَ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام وَجَعَلَ الدَّمَ يَتَدَفَّقَ بِغَزارَةٍ.. وَعِنْدَها راحَ الإمامُ يُلَطِّخُ وَجْهَهُ ولِحْيَتَهُ بالدِّماءِ الطاهِرَةِ قائِلاً :
« هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بِعينِ الله.. هكذا أكونُ حَتَّى أَلقى جَدّي رَسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم وأَنَا مُخَضَّبٌ بِدَمِي.. فَأَقولُ لَهُ : قَتَلَنِي فلانُ.. وفلانُ »..
وَيومَها كانَتْ أمُّ المؤمِنِينَ أمُّ سَلَمَةَ تُحَدِّقُ بِكُلِّ لَوعةٍ وأَلَمٍ في زُجاجَةِ التُرابِ.. وَإِذا بِها فَجأَةً..!! تَتَحَوَّلُ إلى دَمٍ أَحْمَرٍ..
لَقَدْ اسْتُشْهِدَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام مِنْ أَجْلِ إِحياءِ الرِّسالَةِ المحمَّدِيةِ..
وَبِهذِهِ الفاجِعَةِ الّتِي سَتَهِزُّ ضَمِيرَ الُمجْتَمعِ الإسلاميِّ وَتُشَكّلُ انفِعالاً عَمِيقاً يَغْمُرُ النَّفْسَ فَيَدْفَعَها إلى الثَّورَةِ مِنْ أَجْلِ كَرامَتِها...
ويَبعَثُ فِي الروحِ الهامدةِ جُذْوَةً جَدِيدةً لا يَخْمِدُ أَوارُها عَلى مَرِّ الأعوامِ والقُرونِ..
***********
فَلَمْ تَكُنْ واقِعَةُ الطفِ قَضِيَّةً مَأْساوِيَةً عابِرَةً حَدَثَتْ في مَرحَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ التارِيخِ فَحَسْبُ.. وَإِنَّما هِيَ صُورةٌ متكاملةٌ لِتَجْسِيدِ الصّراعِ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ.. صورةٌ واقِعِيةٌ تَنْبُضُ بِالحَياةِ تُشَكِّلُ قَلْبَ التارِيخِ الاِِسلاميِّ.
فَلَولاها لَماتَ ذلِكَ التارِيخُ.. هِيَ صَرْخَةٌ تَتَعالى فِي ضَمِيرِ الإِنسانِيةِ كُلّما أَسْدَلَ التاريخُ سَتَائِرَهُ،
يَظْهَرُ أَمامَ العالَمِ جَسَدَ الإمامِ الحُسَينِ عليه السلام مُضَرَّجاً بِدِمائِهِ يَجْثُمُ فَوْقَهُ اللّعينُ (شِمْرٌ بنُ ذِي الجَوشَن) وَهُوَ يَحِزُّ رَأسَهُ الشَّرِيفَ بالسّيفِ وَمِنْ حَولِهِ آخَرُونَ . مِنْهُمْ مَنْ يَسْلِبُهُ عِمَامَتَهُ ، ومِنْهُمْ مَن يَسْلبُهُ سَيْفَهُ.. ومِنْهُمْ مَنْ يَسْلُبُهُ ثَوْبَهُ.. وَمِنْهُمْ يُحاوِلُ سَلْبَ خَاتِمَهُ فَلَمْ يَستَطِعِ انْتِزاعَهُ فَيَقْطَعَ إِصْبَعَ الإمامِ عليه السلام لِيَحْصُلَ عَلى ذلِكَ الخاتَمِ..
ويُحارُ المرءُ بَينَ أَنْ يُحَدِّقَ فِي هذا المَنْظَرِ أَو في المنظرِ الّذي خَلْفَه..
وَمَاذا خَلْفَ جَسَدِ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام غَيرَ خِيامِهِ الّتِي احتَمَتْ بِها نِساؤُهُ وأَطْفالُهُ..
وَقَدْ أَضرَمُوا فيها النِيرانَ ، فَخَرَجْتِ النِساءُ وَالأطفالُ يَتَصارَخُونَ فَزِعِينَ وَهُمْ يُحاوِلُونَ تَجنِب النِيرانِ.. وَبَيْنما هُمْ عَلى هذِهِ الحالةِ وَإِذا بِخيولِ الأعداءِ تَلْتَفُّ حَولَهُم..
وَهكَذا تَمتَزِجُ الصُورَتانِ فِي صورةٍ واحدةٍ..
فَيُشاهِدَ العالِمُ نِساءَ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام وأَطفالَهُ وَهُمْ يُقادُونَ اُسارى إلى مَجْلِسِ يَزيدَ بنِ مُعاوِيَةَ..
وَمِنْ حَولِهِمْ الرؤوسُ مَرفُوعةٌ على الرِّماحِ . رَأْسُ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام ورُؤوسُ أَهْل بَيتِهِ وَأَصْحابِهِ الّذِينَ أَضاءَتْ أَنوارُهُمْ دُروبَ الإنسانيةِ ، وأَحْيَتْ مَعانِيَ التَضْحِيةِ وَالفِداءِ مِنْ أَجْلِ نُصرَةِ الحَقِّ وَالدينِ .
***********
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 48
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 48
( حديث الثقلين برواية ابي سعيد الخدري )
( خرجه جمع كثير من علماء السنة )
( منهم ) ابراهيم بن محمد الحمويني الشافعي فانه خرج حديث الثقلين برواية ابي سعيد الخدري في كتابه فرائد السمطين ( ج 2 باب 33 ) وباب 54 بطرق ثلاثة بالفاظ متقاربة
( منها ) ما خرجه بسنده عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : إني تارك فيكم امرين أحدهما أطول من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 49
طرف بيد الله ، وعترتي ( أهل بيتي ) ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ( قال الراوي ) : قلت لابي سعيد : من عترته ؟ قال : أهل بيته .
( ومنهم ) احمد بن حنبل إمام الحنابلة فانه خرج حديث الثقلين في مسنده ( ج 3 ص 17 طبع مصر سنة 1313 ) بسنده عن الاعمش عن عطية العوفي عن ابي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ( أنه ) قال إني أوشك أن أدعى فاجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزوجل وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بم تخلفوني فيهما ،
وفي إحياء الميت بهامش الاتحاف ( ص 241 أخرج جلال الدين السيوطي نحوه وقال فيه ( أنظروا كيف تخلفوني فيهما ) .
( وفي مسند احمد بن حنبل أيضا ج 3 ص 26 ) خرج حديث ابي سعيد الخدري بلفظ آخر وسند آخر ، وهذا نصه : حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا عبد الملك يعني ابن سليمان عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله أني قد تركت فيكم الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله عزوجل حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
( وفيه ايضا ج 3 ص 59 ) خرج حديث الثقلين عن ابي سعيد بسند آخر ولفظ آخر وهذا نصه : حدثنا عبد الله ، حدثني ابي ، حدثنا ابن نمير ، حدثنا عبد الملك بن سليمان عن عطية العوفي عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : إني قد تركت فيكم ما إن اخذتم به لن تضلوا بعدي ، الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض ، وعترتي أهل بيتي ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
( وفيه ايضا في ج 3 ص 14 ) خرج حديث الثقلين برواية ابي سعيد الخدري
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 50
بسند آخر ولفظ آخر وهذا نصه : حدثنا : عبد الله ، حدثني ابي ، حدثنا أسود ابن عامر ، اخبرنا : أبو إسرائيل يعني اسماعيل بن اسحاق الملائي عن عطية عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : إني تارك فيكم الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
( ومنهم ) العلامة جلال الدين السيوطي الشافعي فانه خرج حديث الثقلين بسنده عن أبي سعيد الخدري في كتابه ( الدر المنثور ج 2 ص 6 ) وهذا نصه : أخرج ابن سعد واحمد والطبراني عن ابي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : ايها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي ، أمرين احدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله ، حبل ممدود ما بين السماء والارض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ،
( وفي العبقات ج 1 ص 183 أخرج نحوه من المعجم الكبير للطبراني عن ابي سعيد ) .
( ومنهم ) العلامة علي المتقي الحنفي فانه خرج حديث الثقلين برواية أبي سعيد الخدري في كتابه ( كنز العمال ج 1 ص 47 ) ( قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ) : أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي ، أمرين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والارض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ( ع طب عن ابي سعيد ) أي أبو يعلى في مسنده والطبراني في المعجم الكبير ) .
( وفيه ايضا ج 1 ص 47 ) ( قال : قال صلى الله عليه وآله ) . إني أوشك أن أدعى فاجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله ، وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض ، وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ( ش ، وابن
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 51
سعد ، حم ، ع ، عن ابي سعيد ) ( أي خرجه ابن ابي شيبة في مسنده وابن سعد في الطبقات واحمد بن حنبل في مسنده وابن ابي يعلى في مسنده عن ابي سعيد ) وخرجه جلال الدين في ( إحياء الميت ) ص 241 بهامش الاتحاف )
( وفيه ايضا ج 1 ص 47 ) ( قال قال رسول الله صلى الله عليه واله ) : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بايديكم وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ( الباوردي عن ابي سعيد )
( وفيه ايضا ج 1 ص 48 ) ، ( قال قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ) كاني قد دعيت فاجيب إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والارض ، وعترتي أهل بيتي ، وانهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيمها ( ع طب عن ابي سعيد ) .
( ومنهم ) العلامة الثعلبي الشافعي المتوفي سنة 427 وهو نيسابوري وله كتاب العرايس في قصص الانبياء وغيره وهو استاذ الواحدي وغيره فانه خرج حديث الثقلين بسنده عن ابي سعيد الخدري في كتابه ( الكشف والبيان ) عند تفسيره الآية المباركة ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) قال : أخبرنا عبد الملك بن سليمان عن عطية العوفي عن ابي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم يقول : يا ايها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما اكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض .
( قال المؤلف ) خرج السيد الحجة صاحب العبقات الحديث في كتابه ( ج 1 ص 204 من حديث الثقلين ) وخرج الحديث بالفاظ أخر عن أبي سعيد وسيمر عليك ذلك ان شاء الله .
( ومنهم ) العلامة شمس الدين السخاوي الشافعي المتوفي سنة 902 ، فانه
( حديث الثقلين برواية ابي سعيد الخدري )
( خرجه جمع كثير من علماء السنة )
( منهم ) ابراهيم بن محمد الحمويني الشافعي فانه خرج حديث الثقلين برواية ابي سعيد الخدري في كتابه فرائد السمطين ( ج 2 باب 33 ) وباب 54 بطرق ثلاثة بالفاظ متقاربة
( منها ) ما خرجه بسنده عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : إني تارك فيكم امرين أحدهما أطول من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 49
طرف بيد الله ، وعترتي ( أهل بيتي ) ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ( قال الراوي ) : قلت لابي سعيد : من عترته ؟ قال : أهل بيته .
( ومنهم ) احمد بن حنبل إمام الحنابلة فانه خرج حديث الثقلين في مسنده ( ج 3 ص 17 طبع مصر سنة 1313 ) بسنده عن الاعمش عن عطية العوفي عن ابي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ( أنه ) قال إني أوشك أن أدعى فاجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزوجل وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بم تخلفوني فيهما ،
وفي إحياء الميت بهامش الاتحاف ( ص 241 أخرج جلال الدين السيوطي نحوه وقال فيه ( أنظروا كيف تخلفوني فيهما ) .
( وفي مسند احمد بن حنبل أيضا ج 3 ص 26 ) خرج حديث ابي سعيد الخدري بلفظ آخر وسند آخر ، وهذا نصه : حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا عبد الملك يعني ابن سليمان عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله أني قد تركت فيكم الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله عزوجل حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
( وفيه ايضا ج 3 ص 59 ) خرج حديث الثقلين عن ابي سعيد بسند آخر ولفظ آخر وهذا نصه : حدثنا عبد الله ، حدثني ابي ، حدثنا ابن نمير ، حدثنا عبد الملك بن سليمان عن عطية العوفي عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : إني قد تركت فيكم ما إن اخذتم به لن تضلوا بعدي ، الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض ، وعترتي أهل بيتي ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
( وفيه ايضا في ج 3 ص 14 ) خرج حديث الثقلين برواية ابي سعيد الخدري
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 50
بسند آخر ولفظ آخر وهذا نصه : حدثنا : عبد الله ، حدثني ابي ، حدثنا أسود ابن عامر ، اخبرنا : أبو إسرائيل يعني اسماعيل بن اسحاق الملائي عن عطية عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : إني تارك فيكم الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
( ومنهم ) العلامة جلال الدين السيوطي الشافعي فانه خرج حديث الثقلين بسنده عن أبي سعيد الخدري في كتابه ( الدر المنثور ج 2 ص 6 ) وهذا نصه : أخرج ابن سعد واحمد والطبراني عن ابي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : ايها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي ، أمرين احدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله ، حبل ممدود ما بين السماء والارض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ،
( وفي العبقات ج 1 ص 183 أخرج نحوه من المعجم الكبير للطبراني عن ابي سعيد ) .
( ومنهم ) العلامة علي المتقي الحنفي فانه خرج حديث الثقلين برواية أبي سعيد الخدري في كتابه ( كنز العمال ج 1 ص 47 ) ( قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ) : أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي ، أمرين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والارض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ( ع طب عن ابي سعيد ) أي أبو يعلى في مسنده والطبراني في المعجم الكبير ) .
( وفيه ايضا ج 1 ص 47 ) ( قال : قال صلى الله عليه وآله ) . إني أوشك أن أدعى فاجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله ، وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض ، وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ( ش ، وابن
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 51
سعد ، حم ، ع ، عن ابي سعيد ) ( أي خرجه ابن ابي شيبة في مسنده وابن سعد في الطبقات واحمد بن حنبل في مسنده وابن ابي يعلى في مسنده عن ابي سعيد ) وخرجه جلال الدين في ( إحياء الميت ) ص 241 بهامش الاتحاف )
( وفيه ايضا ج 1 ص 47 ) ( قال قال رسول الله صلى الله عليه واله ) : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بايديكم وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ( الباوردي عن ابي سعيد )
( وفيه ايضا ج 1 ص 48 ) ، ( قال قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ) كاني قد دعيت فاجيب إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والارض ، وعترتي أهل بيتي ، وانهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيمها ( ع طب عن ابي سعيد ) .
( ومنهم ) العلامة الثعلبي الشافعي المتوفي سنة 427 وهو نيسابوري وله كتاب العرايس في قصص الانبياء وغيره وهو استاذ الواحدي وغيره فانه خرج حديث الثقلين بسنده عن ابي سعيد الخدري في كتابه ( الكشف والبيان ) عند تفسيره الآية المباركة ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) قال : أخبرنا عبد الملك بن سليمان عن عطية العوفي عن ابي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم يقول : يا ايها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما اكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض .
( قال المؤلف ) خرج السيد الحجة صاحب العبقات الحديث في كتابه ( ج 1 ص 204 من حديث الثقلين ) وخرج الحديث بالفاظ أخر عن أبي سعيد وسيمر عليك ذلك ان شاء الله .
( ومنهم ) العلامة شمس الدين السخاوي الشافعي المتوفي سنة 902 ، فانه
حديث الثقلين بروايات علماء السنة في كتبهم المعتبرة والمروية بالفاظ كثيرة مختلفة ورواته جمع كبير من الصحابة والتابعين وغيرهم ( منهم سيد الاوصياء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام )
حديث الثقلين بروايات علماء السنة في كتبهم المعتبرة والمروية بالفاظ كثيرة مختلفة ورواته جمع كبير من الصحابة والتابعين وغيرهم ( منهم سيد الاوصياء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام )
فقد خرج جلال الدين السيوطي الشافعي المتوفي سنة 911 في كتابه إحياء الميت بفضائل ( أهل البيت عليهم السلام ) المطبوع بهامش ( الاتحاف بحب الاشراف ) ص 247 الحديث المرقم ( 33 ) ، قال : أخرج البزار عن علي رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : اني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي ، وانكم لن تضلوا بعدهما .
( قال المؤلف ) خرج الشيخ عبيد الله الحنفي في كتابه ( أرجح المطالب ص 337 ) حديثا أخرجه البزار بلفظ آخر وهذا نصه نقلا من مسند البزار والدولابي فانهما أخرجا بسنديهما عن ( أمير المؤمنين ) علي بن ابي طالب عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : اني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ، كتاب الله عزوجل طرفه بيد الله وطرفه بايديكم ، وعترتي اهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض .
( وخرج ) السيد العلامة الحجة الهندي في عبقات الانوار ( ج 1 ص 181 ) حديث الثقلين نقلا من كتاب ( استجلاب ارتقاء الغرف ) للسخاوي أبي الخير محمد بن عبد الرحمن المتوفي سنة 902 ه قال : رواه الجعابي بسنده عن عبد الله بن موسى
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 6
عن أبيه عن عبد الله بن الحسن عن جده عن علي عن ، ولفظه ولفظ عبيد الله في أرجح المطالب سواء وسيأتي نصه .
( وخرجه ايضا ) العلامة نور الدين علي بن عبد الله السمهودي المتوفي سنة 911 ه في كتابه ( جواهر العقدين ) وقال : خرجه الجعابي في الطالبين من حديث عبد الله بن موسى عن أبيه عن عبد الله بن حسن عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه ، ولفظه لفظ الشيخ عبيد الله الحنفي في ( أرجح المطالب ) مع اختلاف في بعض كلمات الحديث ، وسيأتي نصه فيما بعد إن شاء الله تعالى من كتاب السخاوي .
( وخرجه ايضا ) العلامة الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودة ص 39 ) عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلم بسنده من مسند اسحاق ابن راهويه عن طريق كثير بن زيد عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلم عن أبيه عن جده ، وقال : هذا سند جيد ، وهذا نص الحديث قال : قال علي عليه السلم : إن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بايديكم ، واهل بيتي .
( قال المؤلف ) خرج الشيخ عبيد الله الحنفي في ( أرجح المطالب ص 337 ) من مسند إسحاق بن راهوية الحديث المتقدم عن ( علي عليه السلم ) أن النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله سبب بيده وسبب بايديكم ، وأهل بيتي .
( وخرجه أيضا ) الشيخ ابراهيم بن محمد الحمويني الشافعي في فرائد السمطين ( ج 2 باب 33 ) بسنده عن الحسن بن عبيد الله بن محمد بن علي التميمي قال : حدثني ابي ، قال حدثني سيدي علي بن موسى بن جعفر ، قال حدثني ابي عن ابيه جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن علي : عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 7
ابن علي عن أبيه علي بن ابي طالب صلوات الله عليهم اجمعين : قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله وسلم : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
( قال المؤلف ) خرج الحديث العلامة الحجة السيد هاشم البحراني نقلا من فرائد السمطين في ( ص 215 ) من غاية المرام ، ولفظه يساوي ما تقدم من الحمويني الشافعي .
( وخرجه أيضا ) الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة ص 341 نقلا من المناقب ومن كتاب سليم بن قيس ، قال : قال علي عليه السلم : إن الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله ) يوم عرفة على ناقته القصوى ، وفي مسجد الخيف ، ويوم الغدير ، ويوم قبض ، في خطبة القاها على المنبر ( قال ) أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما ، الاكبر منهما كتاب الله ، والاصغر عترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير عهد الي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين أشار بالسبابتين وإن احدهما أقدم من الآخر فتمسكوا بهما لن تضلو ، ولا تقدموهم ولا تخلفوا عنهم ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم .
( وفي ينابيع المودة أيضا ص 35 ) نقلا من المناقب قال : قال أبو ذر رضي الله عنه : قال : علي عليه السلام لطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن ابي وقاص : هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض : وإنكم لن تضلوا إن اتبعتم واستمسكتم بهما ؟ قالوا : نعم .
( وخرج ) العلامة الخطيب الموفق بن احمد الحنفي في المناقب ( ص 246 ) في ضمن المناشدة التي القاها عليه السلم يوم الشورى على أصحاب الشورى وقال :
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 8
قال علي عليه السلم مخاطبا لهم فانشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما ولن يفترقا حتى يراد علي الحوض ؟ قالوا اللهم نعم .
( وخرج ) العلامة الشيخ ابراهيم بن محمد الحمويني الشافعي في فرائد السمطين ( باب 58 ) المناشدة التي القاها امير المؤمنين عليه السلم في مسجد النبي صلى الله عليه واله وفي ضمنها قال عليه السلم : أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله قام
خطيبا لم يخطب بعد ذلك وقال : يا ايها الناس إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي فتمسكوا بهما لن تضلوا ، فان اللطيف الخبير أخبرني وعهد الي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فقام عمر بن الخطاب شبه المغضب فقال :
يارسول الله أكل أهل بيتك ؟ فقال : لا . ولكن أوصيائي منهم ، أولهم أخي ووزيري وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي هو اولهم ، ثم ابني الحسن ( ثم ابني الحسين ) ، ثم تسعة من ولد الحسين واحدا بعد واحد حتى يردوا علي الحوض شهداء
الله في ارضه ، وحججه على خلقه ، وخزان علمه : ومعادن حكمته ، من أطاعهم فقد اطاع الله ، ومن عصاهم فقد عصى الله ؟ فقالوا كلهم نشهد أن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال ذلك .
( قال المؤلف ) خرج العلامة الحجة السيد هاشم اليحراني قدس سره حديث الحمويني الشافعي في كتابه ( غاية المرام ص 37 ) مسندا وهو حديث مفصل ذكر فيه قضية المناشدة بتمامها وكمالها ، وبمراجعته يعرف منه ما أوصى النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم امته في اتباع عترته ، ويعرف منه من اعترف بما اوصى به الرسول الاكرم من لزوم اتباع أهل بيته المعصومين وان النجاة في متابعتهم ، لانهم حملة علم النبي صلى الله عليه وآله ، وان الحق معهم ، وهم مع
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 9
الحق لا يزايلهم ، وسيمر عليك الحديث إن شاء الله في ضمن الكتاب بعد حديث السفينة .
( وخرجه ايضا ) أبو نعيم بسنده في ( ج 9 ص 64 ) من حلية الاولياء عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام قال : خطب رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم بالجحفة فقال : أيها الناس ألست أولى بكم من انفسكم ؟ قالوا : بلى ، قلا : فاني كائن لكم على الحوض فرطا وسائلكم عن اثنين عن القرآن وعن عترتي .
( وخرجه أيضا ) علي المتقي الحنفي في ( كنز العمال ج 1 ص 96 ) عن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن علي بن ابي طالب عليه السلم ، وفيه : إن النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا ، كتاب الله سبب بيد الله وسبب بايديكم ، وأهل بيتي ( خرجه ابن جرير في تهذيب الآثار وصححه ) .
( قال المؤلف ) واخرجه ايضا الهيتمي في مجمع الزوائد ( ج 9 ص 163 ) عن امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام بلفظ آخر ، وهذا نصه عن علي بن ابي طالب عليه السلم قال قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : اني مقبوض واني قد تركت فيكم الثقلين يعني كتاب الله واهل بيتي وإنكم لن تضلوا بعدهما ،
وخرجه ايضا في العبقات ( ج 1 ص 441 ) وزاد في آخره : وإنه لن تقوم الساعة حتى يبقى أصحاب رسول الله صلى عليه ( وآله ) وسلم كما تبقى الضالة فلا تؤخذ .
فقد خرج جلال الدين السيوطي الشافعي المتوفي سنة 911 في كتابه إحياء الميت بفضائل ( أهل البيت عليهم السلام ) المطبوع بهامش ( الاتحاف بحب الاشراف ) ص 247 الحديث المرقم ( 33 ) ، قال : أخرج البزار عن علي رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : اني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي ، وانكم لن تضلوا بعدهما .
( قال المؤلف ) خرج الشيخ عبيد الله الحنفي في كتابه ( أرجح المطالب ص 337 ) حديثا أخرجه البزار بلفظ آخر وهذا نصه نقلا من مسند البزار والدولابي فانهما أخرجا بسنديهما عن ( أمير المؤمنين ) علي بن ابي طالب عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : اني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ، كتاب الله عزوجل طرفه بيد الله وطرفه بايديكم ، وعترتي اهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض .
( وخرج ) السيد العلامة الحجة الهندي في عبقات الانوار ( ج 1 ص 181 ) حديث الثقلين نقلا من كتاب ( استجلاب ارتقاء الغرف ) للسخاوي أبي الخير محمد بن عبد الرحمن المتوفي سنة 902 ه قال : رواه الجعابي بسنده عن عبد الله بن موسى
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 6
عن أبيه عن عبد الله بن الحسن عن جده عن علي عن ، ولفظه ولفظ عبيد الله في أرجح المطالب سواء وسيأتي نصه .
( وخرجه ايضا ) العلامة نور الدين علي بن عبد الله السمهودي المتوفي سنة 911 ه في كتابه ( جواهر العقدين ) وقال : خرجه الجعابي في الطالبين من حديث عبد الله بن موسى عن أبيه عن عبد الله بن حسن عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه ، ولفظه لفظ الشيخ عبيد الله الحنفي في ( أرجح المطالب ) مع اختلاف في بعض كلمات الحديث ، وسيأتي نصه فيما بعد إن شاء الله تعالى من كتاب السخاوي .
( وخرجه ايضا ) العلامة الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في ( ينابيع المودة ص 39 ) عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلم بسنده من مسند اسحاق ابن راهويه عن طريق كثير بن زيد عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلم عن أبيه عن جده ، وقال : هذا سند جيد ، وهذا نص الحديث قال : قال علي عليه السلم : إن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بايديكم ، واهل بيتي .
( قال المؤلف ) خرج الشيخ عبيد الله الحنفي في ( أرجح المطالب ص 337 ) من مسند إسحاق بن راهوية الحديث المتقدم عن ( علي عليه السلم ) أن النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله سبب بيده وسبب بايديكم ، وأهل بيتي .
( وخرجه أيضا ) الشيخ ابراهيم بن محمد الحمويني الشافعي في فرائد السمطين ( ج 2 باب 33 ) بسنده عن الحسن بن عبيد الله بن محمد بن علي التميمي قال : حدثني ابي ، قال حدثني سيدي علي بن موسى بن جعفر ، قال حدثني ابي عن ابيه جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن علي : عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 7
ابن علي عن أبيه علي بن ابي طالب صلوات الله عليهم اجمعين : قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله وسلم : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
( قال المؤلف ) خرج الحديث العلامة الحجة السيد هاشم البحراني نقلا من فرائد السمطين في ( ص 215 ) من غاية المرام ، ولفظه يساوي ما تقدم من الحمويني الشافعي .
( وخرجه أيضا ) الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة ص 341 نقلا من المناقب ومن كتاب سليم بن قيس ، قال : قال علي عليه السلم : إن الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله ) يوم عرفة على ناقته القصوى ، وفي مسجد الخيف ، ويوم الغدير ، ويوم قبض ، في خطبة القاها على المنبر ( قال ) أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما ، الاكبر منهما كتاب الله ، والاصغر عترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير عهد الي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين أشار بالسبابتين وإن احدهما أقدم من الآخر فتمسكوا بهما لن تضلو ، ولا تقدموهم ولا تخلفوا عنهم ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم .
( وفي ينابيع المودة أيضا ص 35 ) نقلا من المناقب قال : قال أبو ذر رضي الله عنه : قال : علي عليه السلام لطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن ابي وقاص : هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض : وإنكم لن تضلوا إن اتبعتم واستمسكتم بهما ؟ قالوا : نعم .
( وخرج ) العلامة الخطيب الموفق بن احمد الحنفي في المناقب ( ص 246 ) في ضمن المناشدة التي القاها عليه السلم يوم الشورى على أصحاب الشورى وقال :
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 8
قال علي عليه السلم مخاطبا لهم فانشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما ولن يفترقا حتى يراد علي الحوض ؟ قالوا اللهم نعم .
( وخرج ) العلامة الشيخ ابراهيم بن محمد الحمويني الشافعي في فرائد السمطين ( باب 58 ) المناشدة التي القاها امير المؤمنين عليه السلم في مسجد النبي صلى الله عليه واله وفي ضمنها قال عليه السلم : أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله قام
خطيبا لم يخطب بعد ذلك وقال : يا ايها الناس إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي فتمسكوا بهما لن تضلوا ، فان اللطيف الخبير أخبرني وعهد الي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فقام عمر بن الخطاب شبه المغضب فقال :
يارسول الله أكل أهل بيتك ؟ فقال : لا . ولكن أوصيائي منهم ، أولهم أخي ووزيري وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي هو اولهم ، ثم ابني الحسن ( ثم ابني الحسين ) ، ثم تسعة من ولد الحسين واحدا بعد واحد حتى يردوا علي الحوض شهداء
الله في ارضه ، وحججه على خلقه ، وخزان علمه : ومعادن حكمته ، من أطاعهم فقد اطاع الله ، ومن عصاهم فقد عصى الله ؟ فقالوا كلهم نشهد أن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال ذلك .
( قال المؤلف ) خرج العلامة الحجة السيد هاشم اليحراني قدس سره حديث الحمويني الشافعي في كتابه ( غاية المرام ص 37 ) مسندا وهو حديث مفصل ذكر فيه قضية المناشدة بتمامها وكمالها ، وبمراجعته يعرف منه ما أوصى النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم امته في اتباع عترته ، ويعرف منه من اعترف بما اوصى به الرسول الاكرم من لزوم اتباع أهل بيته المعصومين وان النجاة في متابعتهم ، لانهم حملة علم النبي صلى الله عليه وآله ، وان الحق معهم ، وهم مع
حديث الثقلين - نجم الدين العسكري ص 9
الحق لا يزايلهم ، وسيمر عليك الحديث إن شاء الله في ضمن الكتاب بعد حديث السفينة .
( وخرجه ايضا ) أبو نعيم بسنده في ( ج 9 ص 64 ) من حلية الاولياء عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام قال : خطب رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم بالجحفة فقال : أيها الناس ألست أولى بكم من انفسكم ؟ قالوا : بلى ، قلا : فاني كائن لكم على الحوض فرطا وسائلكم عن اثنين عن القرآن وعن عترتي .
( وخرجه أيضا ) علي المتقي الحنفي في ( كنز العمال ج 1 ص 96 ) عن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن علي بن ابي طالب عليه السلم ، وفيه : إن النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا ، كتاب الله سبب بيد الله وسبب بايديكم ، وأهل بيتي ( خرجه ابن جرير في تهذيب الآثار وصححه ) .
( قال المؤلف ) واخرجه ايضا الهيتمي في مجمع الزوائد ( ج 9 ص 163 ) عن امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام بلفظ آخر ، وهذا نصه عن علي بن ابي طالب عليه السلم قال قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : اني مقبوض واني قد تركت فيكم الثقلين يعني كتاب الله واهل بيتي وإنكم لن تضلوا بعدهما ،
وخرجه ايضا في العبقات ( ج 1 ص 441 ) وزاد في آخره : وإنه لن تقوم الساعة حتى يبقى أصحاب رسول الله صلى عليه ( وآله ) وسلم كما تبقى الضالة فلا تؤخذ .
الفصل الخامس الزواج الموقت وهو ما يعرف بزواج المتعة
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 125
الفصل الخامس الزواج الموقت وهو ما يعرف بزواج المتعة
وهو " أن تزوج المرأة نفسها للرجل بمهر معلوم إلى أجل مسمى بعقد نكاح جامع لشرائط الصحة الشرعية ، صيغته بأن تقول المرأة للرجل بعد الاتفاق والتراضي على المهر والأجل ( زوجتك نفسي بمهر قدره - كذا - إلى - الأجل المعلوم حيث تسمي مدة معينة على الضبط - ) فيكون جواب الرجل على الفور : ( قبلت ) ،
وتجوز الوكالة في هذا العقد كغيره من العقود ، وبتمام شروط العقد ، تصبح المرأة زوجة للرجل ، والرجل زوجا لها إلى منتهى المدة المعينة في العقد ، ولهما أن يجدداه إلى فترة أخرى أو حتى إلى أبد العمر إذا شاءا ، ويجب على الزوجة أن تعتد بعد انقضاء المدة بقرءين ( حيضتين ) إذا كانت ممن تحيض ، وإلا فبخمسة وأربعين يوما ، وولد المتعة ذكرا أو أنثى يلحق بأبيه " ( 1 ) .
وهذا النوع من الزواج مما يشنع به على الشيعة لاعتقادهم بجوازه ، ولكن السؤال هنا :
من أين جاء الشيعة بتشريع هذا النوع من الزواج ؟
وهل هذا النوع من التشريع مما يجتهد بتحليله وتحريمه ؟
وما هي أدلة ذلك من الكتاب الكريم والسنة المطهرة ؟
وللإجابة على كل ذلك نقول : إن جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم يجمعون على أن هذا النوع
* ( هامش ) *
( 1 ) الفصول المهمة للإمام شرف الدين . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 126
من الزواج مما شرع في صدر الإسلام ،
وقد أخرج البخاري بالرواية عن ابن عباس قوله : " كنا نغزو مع النبي ( ص ) ، وليس معنا نساء فقلنا : ألا نختصي ؟ فنهانا عن ذلك ، فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب ثم قرأ - ( يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) - " ( 1 ) .
وقد نزلت الآية ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) ( 2 ) في هذا النوع من الزواج ، حيث ذكر معظم مفسري أهل السنة أن الاستمتاع المقصود في هذه الآية هو نكاح المتعة ، ولكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير يقرأون هذه الآية هكذا : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن " ( 3 ) ،
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره موضحا ذلك : " ومن البعيد أن يؤمن هؤلاء بتحريف القرآن ، فلا بد أن يراد بذلك التفسير لا القراءة . . . " ( 4 ) ،
ولكن الطوائف الإسلامية اختلفت بشأن دوام حلية هذا النوع من النكاح وأصبحت المعضلة هي : هل حرم نكاح المتعة أم بقي على حله ؟ فالحديث التالي يثبت بما لا يقبل أي شك أن الرسول ( ص ) قد مات دون أن ينهى عن نكاح المتعة :
عن عمران ( رض ) قال : " نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله ( ص ) ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات ، قال رجل برأيه ما شاء " ( 5 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 6 ص 110 كتاب التفسير باب قوله - ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) .
( 2 ) النساء : 2 .
( 3 ) تفسير ابن كثير ، صحيح مسلم بشرح النووي ج 3 ص 552 ط دار الشعب .
( 4 ) تفسير ابن كثير .
( 5 ) صحيح البخاري ج 6 ص 34 كتاب التفسير باب فمن تمتع بالعمرة إلى الحج . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 127
حيث تشير الرواية أعلاه إلى أن رجلا قد اجتهد برأيه في هذا الزواج ، ومن صحيح البخاري أيضا وتحت باب التمتع على عهد رسول الله ( ص ) ، جاءت نفس الرواية السابقة ولكن مقطوعة كما يلي : عن عمران ( رض ) : " تمتعنا على عهد رسول الله ( ص ) ونزل القرآن ، وقال رجل برأيه ما شاء " ( 1 ) .
وقد جاء في شرح الباري على صحيح البخاري أن الرجل المقصود هنا هو الخليفة عمر بن الخطاب ( 2 ) ( رض ) .
وتأكيدا لذلك ما يرويه مسلم في صحيحه بسنده إلى أبي نضرة قال : " كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال : ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين ، فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله ( ص ) ثم نهانا عنهما عمر ، فلم نعد لهما " ( 3 ) .
وفي صحيح مسلم أيضا بالإسناد إلى عطاء قال : " قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ، ثم ذكروا المتعة فقال : نعم ، استمتعنا على عهد رسول الله ( ص ) وأبي بكر وعمر " ( 4 ) .
وأخرج أيضا مسلم في صحيحه بالإسناد إلى جابر بن عبد الله أنه قال : " كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ( ص ) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث " ( 5 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 2 ص 375 كتاب الحج .
( 2 ) شرح الباري على صحيح البخاري ج 4 ص 177 ، شرح النووي على صحيح مسلم ج 3 ص 364 دار الشعب .
( 3 ) صحيح مسلم ج 3 ص 556 كتاب النكاح باب المتعة ط دار الشعب بشرح النووي .
( 4 ) صحيح مسلم ج 3 ص 555 كتاب النكاح باب المتعة ط دار الشعب بشرح النووي .
( 5 ) صحيح مسلم ج 3 ص 556 كتاب النكاح باب المتعة ط دار الشعب بشرح النووي . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 128
وقصة عمرو بن حريث هذا هي أن امرأة فقيرة طرقت بابه متوسلة إليه بأن يعطيها طعاما تسد رمقها به ، فأبى ذلك الرجل أن يعطيها شيئا إلا إذا أعطته نفسها زاعما أن ذلك هو نكاح المتعة ، وعندما قبلت المرأة هذا الشرط مكرهة وعلم الخليفة عمر بذلك ، غضب غضبا شديدا ، مما دفعه إلى هذا التحريم ،
بل قرر رجم كل من يمارس هذا النكاح ، كما يظهر ذلك من الرواية التي أخرجها مسلم في صحيحه بالإسناد إلى أبي نضرة قال : " كان ابن عباس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، فذكرت ذلك لجابر فقال : تمتعنا مع رسول الله ( ص ) فلما قام عمر قال : إن الله يحل لرسوله بما شاء ، فأتموا الحج والعمرة ، وابتوا نكاح هذه النساء فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى رجل إلا رجمته بالحجارة " ( 1 ) .
ومن صحيح الترمذي عن عبد الله بن عمر وقد سأله رجل من أهل الشام عن متعة النساء فقال : هي حلال ، فقال : إن أباك
قد نهى عنها ، فقال ابن عمر : " أرأيت إن كان أبي ينهى عنها وصنعها رسول الله ( ص ) ، تترك السنة وتتبع قول أبي " ( 2 )
وقد اشتهر حبر الأمة عبد الله بن عباس ( رض ) برأيه أن آية المتعة لم تنسخ ،
كما يورد ذلك الزمخشري في تفسيره الكشاف ، حيث ينقل عن ابن عباس أن آية المتعة من المحكمات .
وفي صحيح البخاري ما يؤكد ذلك أيضا ، فعن أبي جمرة قال : " سمعت ابن عباس يسأل عن متعة النساء فرخص ، فقال له مولى : إنما ذلك في الحال الشديد ، وفي النساء قلة أو نحوه ، فقال ابن
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح مسلم ج 3 ص 331 كتاب الحج باب مذاهب العلماء في تحلل المعتمر المتمتع ط دار الشعب .
( 2 ) صحيح الترمذي . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 129
عباس : نعم " ( 1 ) .
وقد أخرج الطبراني والثعلبي في تفسيريهما بالإسناد إلى علي عليه السلام أنه قال : " لولا أن نهى عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي " ( 2 ) أي قليل .
( وبالرغم من وضوح كل تلك الأدلة وضوح الشمس في رابعة النهار بشأن دوام حلية زواج المتعة ، فإن الذي عليه غالبية جمهور أهل السنة اليوم عكس ذلك ، وإن الآية الخاصة في هذا النكاح يزعمون أنها نسخت ، وقد اختلفوا في الناسخ ،
فمنهم من قال بأنه آية من الكتاب ، ومنهم من قال أن الناسخ روايات من السنة ، ونرد كلا الرأيين بالأحاديث السابقة القطعية الثبوت والتي دلت على أن الرسول ( ص ) مات دون أن ينهى عن المتعة ،
وأما من قال بأن الناسخ هو آية من الكتاب هي : ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " ( 3 ) ، وهذه الآية " مكية " ، وآية المتعة " مدنية " أو حكم تشريع زواج المتعة " مدني " والسابق لا ينسخ اللاحق .
وأما من قال بأن الناسخ كان السنة المروية عن الرسول ( ص ) ، فإن الأحاديث التي يزعمون بأنها ناسخة ، تتناقض مع بعضها البعض فمنهم من قال إنها نسخت في خيبر ، وآخر في أوطاس وثالث يوم فتح مكة ، ورابع في غزوة تبوك وخامس في عمرة القضاء وسادس في حجة الوداع ،
وما اضطراب تلك الروايات وتناقضها إلا دليلا على عدم صحتها ، هذا بالإضافة إلى أن تلك الروايات لا تخرج عن كونها من أخبار الآحاد التي لا تصلح أن تكون ناسخة لحكم نص عليه القرآن وثبت تشريعه بإجماع المسلمين ، لأن النسخ لا يقع بخبر الآحاد إجماعا ، والآية لا تنسخها إلا آية بدليل قوله تعالى :
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 7 ص 36 كتاب النكاح .
( 2 ) تفسير الطبراني ، تفسير الثعلبي .
( 3 ) المؤمنون : 5 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 130
( وما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) ( 1 ) .
ولذلك فإنه مع وجود كل تلك النصوص الصريحة والتي تثبت مشروعية نكاح المتعة وعدم نهي النبي ( ص ) عنها ، وبقاء حلها حتى نهى الخليفة عمر عنها زمن خلافته ، فإننا لا نجد حلا لهذه العقدة إلا أن الخليفة عمر قد اجتهد برأيه لمصلحة رآها - بنظره - للمسلمين في زمانه وأيامه ، اقتضت أن يمنع من استعمال المتعة منعا مدنيا لا دينيا لمصلحة زمنية ،
حيث أن الخليفة عمر ( رض ) أجل مقاما وأسمى إسلاما من أن يحرم ما أحل الله أو أن يدخل في الدين ما ليس من الدين وهو يعلم أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة ، فلا بد أن يكون مراده المنع الزمني
والتحريم المدني لا الديني ، وموقفه المتشدد بشأن نكاح المتعة ليس الأول من نوعه ، فقد عرف عنه الشدة والخشونة في عامة أموره ويجتهد في ذلك مبتغيا المصلحة العليا - بنظره - للإسلام وإقامة الشرائع ) ( 2 ) .
ومن الأمثلة على اجتهاد عمر في بعض الأحكام وتشدده فيها هو عندما أمر المسلمين أن يؤدوا نافلة رمضان ( ما يسمى بصلاة التراويح ) جماعة بعد أن كانت تؤدى فرادى على عهدي رسول الله ( ص ) وأبو بكر ( رض ) ،
وقد أخرج البخاري بسنده إلى أبو هريرة : " إن الرسول ( ص ) قال : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه . قال ابن شهاب : فتوفي رسول الله ( ص ) والناس على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من
خلافة عمر رضي الله عنهما . قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون ، يصل الرجل لنفسه ، ويصل الرجل فيصل بصلاته الرهط . فقال
* ( هامش ) *
( 1 ) البقرة : 106 .
( 2 ) بتصرف عن كتاب أصل الشيعة وأصولها للعلامة محمد آل كاشف الغطاء . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 131
عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ؟ قال عمر : نعم البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله " ( 1 ) .
وقد اجتهد أيضا في تلك النافلة ( التراويح ) بزيادة عدد ركعاتها إلى عشرين ، فعن عائشة ( رض ) قالت : " ما كان رسول الله ( ص ) يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة " ( 2 ) .
ولكن بعض المعاصرين للخليفة عمر ، ومن بعده بعض المحدثين البسطاء ، لما غفلوا عن معرفة سر نهي الخليفة عن زواج المتعة استكبروا منه أن يحرم ما أحل الله ، واضطروا إلى استخراج مبررا لذلك ، فلم يجدوا سوى دعوى النسخ من النبي ( ص ) بعد الإباحة فارتبكوا ذلك الإرتباك واضطربت كلماتهم ذلك الاضطراب .
وانظر في الرواية التالية لترى مدى الاضطراب والارتباك الذي نتحدث عنه ، والأدهى أن واضعيها نسبوها إلى علي عليه السلام ، حيث أخرج البخاري في صحيحه : " أن عليا رضي الله عنه قيل له : إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسا ،
فقال : إن رسول الله ( ص ) نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأنسية ، وقال بعض الناس : إن احتال حتى تمتع ، فالنكاح فاسد ، وقال بعضهم : النكاح جائز ، والشرط باطل " ( 3 ) ،
فلو فهم هؤلاء علة نهي الخليفة عنها لأغناهم عن كل ذلك التكلف والارتباك . كان فيما سبق النظر في زواج المتعة من وجهتها الدينية والتاريخية .
أما النظر فيها من الناحية الأخلاقية والاجتماعية ، فقد جاء تشريعها رحمة للبشر
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 3 ص 126 كتاب صلاة التراويح باب فضل من قام رمضان .
( 2 ) صحيح البخاري ج 2 ص 137 كتاب التهجد .
( 3 ) صحيح البخاري ج 9 ص 76 كتاب الإكراه باب الحيلة في النكاح . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 132
ورخصة للكثيرين لا سيما المسافرين في طلب علم أو تجارة أو جهاد أو مرابطة ثغر ، ومع امتناع الزواج الدائم لما له غالبا من التبعات واللوازم والتي لا تتمشى مع حالة المسافرين وخصوصا وهم في ريعان الشباب وتأجج سعير الشهوة ،
وهم في ذلك أمام خيارين :
إما الصبر ومجاهدة النفس الموجب للمشقة التي تؤدي إلى أمراض مزمنة وعلل نفسية مهلكة وغير ذلك من الأضرار التي لا تخفى على أحد . وإما الوقوع في الزنا الذي ملأ الدنيا بالمفاسد والأضرار .
وهذه الأسباب هي نفسها التي دفعت بأحد الوعاظ الخليجيين ويدعى الشيخ أحمد القطان بأن يفتي للطلبة العرب في الفليبين بجواز ممارسة نكاح مؤقت ولكن باسم مختلف سماه ( زواج بنية الطلاق ) ، وشرط هذا النكاح أن يضمر الزوج في نفسه الطلاق ودون أن يعلم أحدا بهذه النية ، أي إنه نكاح مؤقت في نية الزوج ودائم حسب علم ونية الزوجة ، حيث يقوم الزوج بطلاق زوجته عند انتهاء المدة التي أضمرها في نفسه .
وبالرغم من اعتراف مبتدعي هذا النوع من الزواج بأنه يتضمن الكذب على الزوجة وخداعها ، وبالرغم من عدم وجود أي دليل عليه من الكتاب أو السنة النبوية فإنهم يبررون تشريعهم له بالقول بأن ضرره على كل حال يبقى أخف وطأة من مفاسد
الزنا ! وقد أفتى شيخنا السالف الذكر بهذا بعد أن سئل عن رأيه بنكاح المتعة وفتوى ابن عباس بجوازه ، حيث كان جوابه بحرمة هذا النكاح وأن ابن عباس قد أخطأ بتلك الفتوى ، وأضاف معلقا : " لو تتبعنا زلة العلماء لتزندقنا ) ! ! .
وهكذا أصبحت بدعة " الزواج بنية الطلاق " على رأي القطان بديلا عن نكاح المتعة الذي جاء حله في الكتاب والسنة
( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) ولا حول ولا قوة إلا بالله .
الفصل الخامس الزواج الموقت وهو ما يعرف بزواج المتعة
وهو " أن تزوج المرأة نفسها للرجل بمهر معلوم إلى أجل مسمى بعقد نكاح جامع لشرائط الصحة الشرعية ، صيغته بأن تقول المرأة للرجل بعد الاتفاق والتراضي على المهر والأجل ( زوجتك نفسي بمهر قدره - كذا - إلى - الأجل المعلوم حيث تسمي مدة معينة على الضبط - ) فيكون جواب الرجل على الفور : ( قبلت ) ،
وتجوز الوكالة في هذا العقد كغيره من العقود ، وبتمام شروط العقد ، تصبح المرأة زوجة للرجل ، والرجل زوجا لها إلى منتهى المدة المعينة في العقد ، ولهما أن يجدداه إلى فترة أخرى أو حتى إلى أبد العمر إذا شاءا ، ويجب على الزوجة أن تعتد بعد انقضاء المدة بقرءين ( حيضتين ) إذا كانت ممن تحيض ، وإلا فبخمسة وأربعين يوما ، وولد المتعة ذكرا أو أنثى يلحق بأبيه " ( 1 ) .
وهذا النوع من الزواج مما يشنع به على الشيعة لاعتقادهم بجوازه ، ولكن السؤال هنا :
من أين جاء الشيعة بتشريع هذا النوع من الزواج ؟
وهل هذا النوع من التشريع مما يجتهد بتحليله وتحريمه ؟
وما هي أدلة ذلك من الكتاب الكريم والسنة المطهرة ؟
وللإجابة على كل ذلك نقول : إن جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم يجمعون على أن هذا النوع
* ( هامش ) *
( 1 ) الفصول المهمة للإمام شرف الدين . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 126
من الزواج مما شرع في صدر الإسلام ،
وقد أخرج البخاري بالرواية عن ابن عباس قوله : " كنا نغزو مع النبي ( ص ) ، وليس معنا نساء فقلنا : ألا نختصي ؟ فنهانا عن ذلك ، فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب ثم قرأ - ( يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) - " ( 1 ) .
وقد نزلت الآية ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) ( 2 ) في هذا النوع من الزواج ، حيث ذكر معظم مفسري أهل السنة أن الاستمتاع المقصود في هذه الآية هو نكاح المتعة ، ولكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير يقرأون هذه الآية هكذا : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن " ( 3 ) ،
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره موضحا ذلك : " ومن البعيد أن يؤمن هؤلاء بتحريف القرآن ، فلا بد أن يراد بذلك التفسير لا القراءة . . . " ( 4 ) ،
ولكن الطوائف الإسلامية اختلفت بشأن دوام حلية هذا النوع من النكاح وأصبحت المعضلة هي : هل حرم نكاح المتعة أم بقي على حله ؟ فالحديث التالي يثبت بما لا يقبل أي شك أن الرسول ( ص ) قد مات دون أن ينهى عن نكاح المتعة :
عن عمران ( رض ) قال : " نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله ( ص ) ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات ، قال رجل برأيه ما شاء " ( 5 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 6 ص 110 كتاب التفسير باب قوله - ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) .
( 2 ) النساء : 2 .
( 3 ) تفسير ابن كثير ، صحيح مسلم بشرح النووي ج 3 ص 552 ط دار الشعب .
( 4 ) تفسير ابن كثير .
( 5 ) صحيح البخاري ج 6 ص 34 كتاب التفسير باب فمن تمتع بالعمرة إلى الحج . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 127
حيث تشير الرواية أعلاه إلى أن رجلا قد اجتهد برأيه في هذا الزواج ، ومن صحيح البخاري أيضا وتحت باب التمتع على عهد رسول الله ( ص ) ، جاءت نفس الرواية السابقة ولكن مقطوعة كما يلي : عن عمران ( رض ) : " تمتعنا على عهد رسول الله ( ص ) ونزل القرآن ، وقال رجل برأيه ما شاء " ( 1 ) .
وقد جاء في شرح الباري على صحيح البخاري أن الرجل المقصود هنا هو الخليفة عمر بن الخطاب ( 2 ) ( رض ) .
وتأكيدا لذلك ما يرويه مسلم في صحيحه بسنده إلى أبي نضرة قال : " كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال : ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين ، فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله ( ص ) ثم نهانا عنهما عمر ، فلم نعد لهما " ( 3 ) .
وفي صحيح مسلم أيضا بالإسناد إلى عطاء قال : " قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ، ثم ذكروا المتعة فقال : نعم ، استمتعنا على عهد رسول الله ( ص ) وأبي بكر وعمر " ( 4 ) .
وأخرج أيضا مسلم في صحيحه بالإسناد إلى جابر بن عبد الله أنه قال : " كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ( ص ) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث " ( 5 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 2 ص 375 كتاب الحج .
( 2 ) شرح الباري على صحيح البخاري ج 4 ص 177 ، شرح النووي على صحيح مسلم ج 3 ص 364 دار الشعب .
( 3 ) صحيح مسلم ج 3 ص 556 كتاب النكاح باب المتعة ط دار الشعب بشرح النووي .
( 4 ) صحيح مسلم ج 3 ص 555 كتاب النكاح باب المتعة ط دار الشعب بشرح النووي .
( 5 ) صحيح مسلم ج 3 ص 556 كتاب النكاح باب المتعة ط دار الشعب بشرح النووي . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 128
وقصة عمرو بن حريث هذا هي أن امرأة فقيرة طرقت بابه متوسلة إليه بأن يعطيها طعاما تسد رمقها به ، فأبى ذلك الرجل أن يعطيها شيئا إلا إذا أعطته نفسها زاعما أن ذلك هو نكاح المتعة ، وعندما قبلت المرأة هذا الشرط مكرهة وعلم الخليفة عمر بذلك ، غضب غضبا شديدا ، مما دفعه إلى هذا التحريم ،
بل قرر رجم كل من يمارس هذا النكاح ، كما يظهر ذلك من الرواية التي أخرجها مسلم في صحيحه بالإسناد إلى أبي نضرة قال : " كان ابن عباس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، فذكرت ذلك لجابر فقال : تمتعنا مع رسول الله ( ص ) فلما قام عمر قال : إن الله يحل لرسوله بما شاء ، فأتموا الحج والعمرة ، وابتوا نكاح هذه النساء فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى رجل إلا رجمته بالحجارة " ( 1 ) .
ومن صحيح الترمذي عن عبد الله بن عمر وقد سأله رجل من أهل الشام عن متعة النساء فقال : هي حلال ، فقال : إن أباك
قد نهى عنها ، فقال ابن عمر : " أرأيت إن كان أبي ينهى عنها وصنعها رسول الله ( ص ) ، تترك السنة وتتبع قول أبي " ( 2 )
وقد اشتهر حبر الأمة عبد الله بن عباس ( رض ) برأيه أن آية المتعة لم تنسخ ،
كما يورد ذلك الزمخشري في تفسيره الكشاف ، حيث ينقل عن ابن عباس أن آية المتعة من المحكمات .
وفي صحيح البخاري ما يؤكد ذلك أيضا ، فعن أبي جمرة قال : " سمعت ابن عباس يسأل عن متعة النساء فرخص ، فقال له مولى : إنما ذلك في الحال الشديد ، وفي النساء قلة أو نحوه ، فقال ابن
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح مسلم ج 3 ص 331 كتاب الحج باب مذاهب العلماء في تحلل المعتمر المتمتع ط دار الشعب .
( 2 ) صحيح الترمذي . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 129
عباس : نعم " ( 1 ) .
وقد أخرج الطبراني والثعلبي في تفسيريهما بالإسناد إلى علي عليه السلام أنه قال : " لولا أن نهى عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي " ( 2 ) أي قليل .
( وبالرغم من وضوح كل تلك الأدلة وضوح الشمس في رابعة النهار بشأن دوام حلية زواج المتعة ، فإن الذي عليه غالبية جمهور أهل السنة اليوم عكس ذلك ، وإن الآية الخاصة في هذا النكاح يزعمون أنها نسخت ، وقد اختلفوا في الناسخ ،
فمنهم من قال بأنه آية من الكتاب ، ومنهم من قال أن الناسخ روايات من السنة ، ونرد كلا الرأيين بالأحاديث السابقة القطعية الثبوت والتي دلت على أن الرسول ( ص ) مات دون أن ينهى عن المتعة ،
وأما من قال بأن الناسخ هو آية من الكتاب هي : ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " ( 3 ) ، وهذه الآية " مكية " ، وآية المتعة " مدنية " أو حكم تشريع زواج المتعة " مدني " والسابق لا ينسخ اللاحق .
وأما من قال بأن الناسخ كان السنة المروية عن الرسول ( ص ) ، فإن الأحاديث التي يزعمون بأنها ناسخة ، تتناقض مع بعضها البعض فمنهم من قال إنها نسخت في خيبر ، وآخر في أوطاس وثالث يوم فتح مكة ، ورابع في غزوة تبوك وخامس في عمرة القضاء وسادس في حجة الوداع ،
وما اضطراب تلك الروايات وتناقضها إلا دليلا على عدم صحتها ، هذا بالإضافة إلى أن تلك الروايات لا تخرج عن كونها من أخبار الآحاد التي لا تصلح أن تكون ناسخة لحكم نص عليه القرآن وثبت تشريعه بإجماع المسلمين ، لأن النسخ لا يقع بخبر الآحاد إجماعا ، والآية لا تنسخها إلا آية بدليل قوله تعالى :
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 7 ص 36 كتاب النكاح .
( 2 ) تفسير الطبراني ، تفسير الثعلبي .
( 3 ) المؤمنون : 5 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 130
( وما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) ( 1 ) .
ولذلك فإنه مع وجود كل تلك النصوص الصريحة والتي تثبت مشروعية نكاح المتعة وعدم نهي النبي ( ص ) عنها ، وبقاء حلها حتى نهى الخليفة عمر عنها زمن خلافته ، فإننا لا نجد حلا لهذه العقدة إلا أن الخليفة عمر قد اجتهد برأيه لمصلحة رآها - بنظره - للمسلمين في زمانه وأيامه ، اقتضت أن يمنع من استعمال المتعة منعا مدنيا لا دينيا لمصلحة زمنية ،
حيث أن الخليفة عمر ( رض ) أجل مقاما وأسمى إسلاما من أن يحرم ما أحل الله أو أن يدخل في الدين ما ليس من الدين وهو يعلم أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة ، فلا بد أن يكون مراده المنع الزمني
والتحريم المدني لا الديني ، وموقفه المتشدد بشأن نكاح المتعة ليس الأول من نوعه ، فقد عرف عنه الشدة والخشونة في عامة أموره ويجتهد في ذلك مبتغيا المصلحة العليا - بنظره - للإسلام وإقامة الشرائع ) ( 2 ) .
ومن الأمثلة على اجتهاد عمر في بعض الأحكام وتشدده فيها هو عندما أمر المسلمين أن يؤدوا نافلة رمضان ( ما يسمى بصلاة التراويح ) جماعة بعد أن كانت تؤدى فرادى على عهدي رسول الله ( ص ) وأبو بكر ( رض ) ،
وقد أخرج البخاري بسنده إلى أبو هريرة : " إن الرسول ( ص ) قال : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه . قال ابن شهاب : فتوفي رسول الله ( ص ) والناس على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من
خلافة عمر رضي الله عنهما . قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون ، يصل الرجل لنفسه ، ويصل الرجل فيصل بصلاته الرهط . فقال
* ( هامش ) *
( 1 ) البقرة : 106 .
( 2 ) بتصرف عن كتاب أصل الشيعة وأصولها للعلامة محمد آل كاشف الغطاء . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 131
عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ؟ قال عمر : نعم البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله " ( 1 ) .
وقد اجتهد أيضا في تلك النافلة ( التراويح ) بزيادة عدد ركعاتها إلى عشرين ، فعن عائشة ( رض ) قالت : " ما كان رسول الله ( ص ) يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة " ( 2 ) .
ولكن بعض المعاصرين للخليفة عمر ، ومن بعده بعض المحدثين البسطاء ، لما غفلوا عن معرفة سر نهي الخليفة عن زواج المتعة استكبروا منه أن يحرم ما أحل الله ، واضطروا إلى استخراج مبررا لذلك ، فلم يجدوا سوى دعوى النسخ من النبي ( ص ) بعد الإباحة فارتبكوا ذلك الإرتباك واضطربت كلماتهم ذلك الاضطراب .
وانظر في الرواية التالية لترى مدى الاضطراب والارتباك الذي نتحدث عنه ، والأدهى أن واضعيها نسبوها إلى علي عليه السلام ، حيث أخرج البخاري في صحيحه : " أن عليا رضي الله عنه قيل له : إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسا ،
فقال : إن رسول الله ( ص ) نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأنسية ، وقال بعض الناس : إن احتال حتى تمتع ، فالنكاح فاسد ، وقال بعضهم : النكاح جائز ، والشرط باطل " ( 3 ) ،
فلو فهم هؤلاء علة نهي الخليفة عنها لأغناهم عن كل ذلك التكلف والارتباك . كان فيما سبق النظر في زواج المتعة من وجهتها الدينية والتاريخية .
أما النظر فيها من الناحية الأخلاقية والاجتماعية ، فقد جاء تشريعها رحمة للبشر
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 3 ص 126 كتاب صلاة التراويح باب فضل من قام رمضان .
( 2 ) صحيح البخاري ج 2 ص 137 كتاب التهجد .
( 3 ) صحيح البخاري ج 9 ص 76 كتاب الإكراه باب الحيلة في النكاح . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 132
ورخصة للكثيرين لا سيما المسافرين في طلب علم أو تجارة أو جهاد أو مرابطة ثغر ، ومع امتناع الزواج الدائم لما له غالبا من التبعات واللوازم والتي لا تتمشى مع حالة المسافرين وخصوصا وهم في ريعان الشباب وتأجج سعير الشهوة ،
وهم في ذلك أمام خيارين :
إما الصبر ومجاهدة النفس الموجب للمشقة التي تؤدي إلى أمراض مزمنة وعلل نفسية مهلكة وغير ذلك من الأضرار التي لا تخفى على أحد . وإما الوقوع في الزنا الذي ملأ الدنيا بالمفاسد والأضرار .
وهذه الأسباب هي نفسها التي دفعت بأحد الوعاظ الخليجيين ويدعى الشيخ أحمد القطان بأن يفتي للطلبة العرب في الفليبين بجواز ممارسة نكاح مؤقت ولكن باسم مختلف سماه ( زواج بنية الطلاق ) ، وشرط هذا النكاح أن يضمر الزوج في نفسه الطلاق ودون أن يعلم أحدا بهذه النية ، أي إنه نكاح مؤقت في نية الزوج ودائم حسب علم ونية الزوجة ، حيث يقوم الزوج بطلاق زوجته عند انتهاء المدة التي أضمرها في نفسه .
وبالرغم من اعتراف مبتدعي هذا النوع من الزواج بأنه يتضمن الكذب على الزوجة وخداعها ، وبالرغم من عدم وجود أي دليل عليه من الكتاب أو السنة النبوية فإنهم يبررون تشريعهم له بالقول بأن ضرره على كل حال يبقى أخف وطأة من مفاسد
الزنا ! وقد أفتى شيخنا السالف الذكر بهذا بعد أن سئل عن رأيه بنكاح المتعة وفتوى ابن عباس بجوازه ، حيث كان جوابه بحرمة هذا النكاح وأن ابن عباس قد أخطأ بتلك الفتوى ، وأضاف معلقا : " لو تتبعنا زلة العلماء لتزندقنا ) ! ! .
وهكذا أصبحت بدعة " الزواج بنية الطلاق " على رأي القطان بديلا عن نكاح المتعة الذي جاء حله في الكتاب والسنة
( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) ولا حول ولا قوة إلا بالله .
الفصل السادس المهدي المنتظر والفتن
الفصل السادس المهدي المنتظر والفتن
تتفق جميع الفرق الإسلامية على ظهور رجل في آخر الزمان يملأ الدنيا بالقسط والعدل ، ويقيم دولة الحق لتشمل جميع أرجاء المعمورة مصداقا لقوله تعالى : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) ( 1 )
وقوله تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) ( 2 )
وكذلك : ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون . . . ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ( 3 ) .
وقد بين المصطفى ( ص ) أن هذا الرجل المنتظر هو من أهل بيته بقوله : " لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي " ( 4 ) .
وعن أبي سعيد الخدري ، قال الرسول ( ص ) : " لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطا
* ( هامش ) *
( 1 ) الأنبياء : 105 .
( 2 ) القصص : 5 .
( 3 ) التوبة : 32 - 33 .
( 4 ) صحيح الترمذي ج 9 ص 74 ، أبو داوود ج 2 ص 7 ، مسند أحمد ج 1 ص 376 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 136
وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا " ( 1 ) .
وعن أبي هريرة ، قال الرسول ( ص ) : " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوله الله عز وجل حتى يملك رجل من أهل بيتي ، يملك جبل الديلم والقسطنطينية ) ( 2 ) .
وعن أم سلمة ، قال الرسول ( ص ) : " المهدي من عترتي من ولد فاطمة " . وقد أخبر الرسول ( ص ) أن عيسى عليه السلام الذي سيظهر في آخر الزمان أيضا سيصلي وراء المهدي ،
فعن أبي هريرة ، قال الرسول ( ص ) : " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " ( 3 ) .
وقال الحافظ في شرح صحيح البخاري : " تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى بن مريم سينزل ويصلي خلفه " ( 4 ) .
وقد أصدر المجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي الفتوى التالية بشأن المهدي المنتظر والمؤرخة في 31 أيار 1976 : " المهدي عليه السلام هو محمد بن عبد الله الحسني العلوي الفاطمي المهدي الموعود المنتظر ، موعد خروجه في آخر الزمان
، وهو من علامات الساعة الكبرى يخرج من المغرب ويبايع له في الحجاز في مكة المكرمة بين الركن والمقام بين باب الكعبة المشرفة والحجر الأسود الملتزم . ويظهر عند فساد الزمان وانتشار الكفر وظلم الناس ويملأ
* ( هامش ) *
( 1 ) مستدرك الصحيحين ج 4 ص 557 ، مسند أحمد ج 3 ص 36 .
( 2 ) صحيح ابن ماجة باب الجهاد .
( 3 ) صحيح مسلم ج 1 ص 373 باب نزول عيسى بن مريم ط دار الشعب .
( 4 ) فتح الباري ج 5 ص 362 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 137
الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما ، يحكم العالم كله ويخضع له الرقاب بالإقناع تارة وبالحرب أخرى . وسيملك الأرض سبع سنين وينزل عيسى عليه السلام من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله بباب لد بأرض فلسطين .
وهو آخر الخلفاء الراشدين الاثني عشر الذين أخبر عنهم النبي ( ص ) في الصحاح . . . وإن الاعتقاد بخروج المهدي واجب وإنه من عقائد أهل السنة والجماعة ولا ينكره إلا جاهل بالسنة ومبتدع في العقيدة " ( 1 )
وهكذا فإن أهل السنة يتفقون مع الشيعة بأن الإمام المهدي هو آخر الخلفاء الاثني عشر الذين بشر بهم الرسول ( ص ) في أحاديث كثيرة ، ويتفق الفريقان كذلك حول معظم النقاط الأخرى المتعلقة بالإمام المنتظر .
وأما أهم الاختلافات بينهما بشأنه فهي : الأول : يعتقد معظم أهل السنة أن الإمام المهدي عليه السلام سيولد في آخر الزمان بينما يعتقد الشيعة بأنه ولد في عام 255 ه لأبيه الإمام الحسن العسكري وهو حادي عشر أئمة أهل البيت ، ولكن الله تعالى غيبه عن العيون لحكمة رآها ، ولا يزال حيا وسيظهره في آخر الزمان .
الثاني : يعتقد أهل السنة كما في الفتوى أعلاه أن المهدي هو ومن ولد الحسن عليه السلام وأن اسم أبيه هو عبد الله استنادا إلى رواية عندهم " . . يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي " بينما يعتقد الشيعة أن المهدي ينحدر نسله من الإمام الحسين عليه السلام وقد ولد لأبيه الحسن العسكري ، وأن الرواية الأخيرة
* ( هامش ) *
( 1 ) مؤامرة المتاجرين بالدين : ص 29 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 138
هذه يروونها : " . . . يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم ابني " إشارة إلى حفيد الرسول ( ص ) الحسن السبط عليه السلام . وحاول بعض الكتاب من أهل السنة التشنيع والطعن في الشيعة لاعتقادهم بولادة الإمام المنتظر وتسلمه مقاليد الإمامة وعنده من العمر 5 سنوات .
ويرجع هذا التشنيع في المقام الأول إلى التعصب لما هم عليه من اعتقاد ، فكل ما يخالف اعتقادهم أو ما ألفوه أو ورثوه فإنهم يحكمون في الحال ببطلانه دون النظر إلى ما احتج به غيرهم . وردا على ذلك نقول :
أولا : إن هناك كثير من علماء أهل السنة يعتقدون بأن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري وأنه لا يزال حيا حتى يظهره الله موافقين بذلك ما يقوله الشيعة الإمامية الاثني عشرية .
ومن هؤلاء العلماء :
1 - محي الدين بن العربي في فتوحاته المكية .
2 - سبط بن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص .
3 - عبد الوهاب الشعراني في كتابه عقائد الأكابر .
4 - ابن الخشاب في كتابه تواريخ مواليد الأئمة ووفياتهم .
5 - محمد البخاري الحنفي في كتابه فصل الخطاب .
6 - أحمد بن إبراهيم البلاذري في كتابه الحديث المتسلسل .
7 - ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة .
8 - العارف عبد الرحمن في كتابه مرآة الأسرار .
9 - كمال الدين بن طلحة في كتابه مطالب السؤول في مناقب الرسول .
10 - القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة . وغيرهم ( 1 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخذت هذه المصادر من كتاب " لأكون مع الصادقين " للعلامة الدكتور محمد التيجاني ص 196 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 139
ثانيا : لا يوجد أي دليل شرعي يثبت عكس ذلك ، وغيبة الإمام المنتظر لها ما يشابهها الكثير من المعجزات التي أخبر بها القرآن الكريم ، فنوح عليه السلام لبث في قومه 950 سنة يدعوهم ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ) ( 1 ) وقد عاش
بالطبع أطول من ذلك ، ولبث أهل الكهف 309 سنوات وهم نائمون ، ورفع الله تعالى عيسى عليه السلام إليه ونجاه من القتل وسيعيده إلى الدنيا في آخر الزمان أيضا ، والخضر عليه السلام لا يزال حيا غائبا عن العيون .
وأما بالنسبة لصغر سن المهدي عليه السلام عند تسلمه الإمامة بعد وفاة أبيه الحسن العسكري حادي عشر أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فإن هناك معجزات تماثلها بل وأكبر منها ، فقد جعل الله عيسى بن مريم عليه السلام نبيا وهو في المهد رضيعا : ( فأشارت إليه * قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ) ( 2 ) ،
وأعطى الله تعالى كذلك الحكم ليحيى عليه السلام وهو صبيا ( يا يحيي خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا ) ( 3 ) .
وإذا قيل بأن هذه المعجزات كانت للأنبياء ، فنقول بأنه ليس هناك أي دليل شرعي يشير إلى توقف المعجزات بعد وفاة النبي ( ص ) ، والمعجزات ليست للأنبياء فقط ، فأهل الكهف لم يكونوا أنبياء ، وحتى سيد الشياطين " إبليس " فإن الله قد أمد في عمره حق قيام الساعة .
ومن ناحية أخرى ، فإن الذين يعترضون على الاعتقاد بغيبة الإمام المنتظر فهو راجع أيضا لجهلهم بمقامه وحقيقته فالمهدي عليه السلام سيكون إماما لعيسى عليه السلام الذي جعله الله نبيا وهو في المهد رضيعا ، وهكذا فإنه لو علم أهل السنة وتيقنوا بأن الله تعالى هو الذي اختار الأئمة الاثني عشر من أهل البيت ليكونوا خلفاء
* ( هامش ) *
( 1 ) العنكبوت : 14 .
( 2 ) مريم : 29 - 30 .
( 3 ) مريم : 12 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 140
للرسول ( ص ) وحفظة للرسالة المحمدية ، فإن استغرابهم بما أحاطه الله من عناية بخاتم هؤلاء الأئمة - حتى يظهره ويتم على يده نصر الحق المبين وإظهاره على الدين كله - سيزول ولن يكون له أي مبرر .
فأغلبية أهل السنة لا يستغربون لما أخذوه من طريقهم أو من كل ما ينسجم مع مذهبهم بل يضعونه محل القبول والتسليم ، وهذا ليس فقط بشأن تلك المعجزات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم والتي لا يستطيع أحد بالطبع أن يثير أي شبهة حولها ، وإنما يشمل هذا الاعتبار ما أخذوه من روايات صحيحي البخاري ومسلم ،
فكما يروون - مثلا بنزول الله إلى السماء الدنيا آخر الليل وكشفه عن ساقه ووضع قدمه في جهنم يوم القيامة ( والعياذ بالله ) ، أو احتمال سهو النبي ووقوعه تحت تأثير السحر ونسيانه للقرآن أو فقأ موسى عليه السلام لعين ملك الموت ، ورجحان إيمان أبو بكر على إيمان الأمة بكاملها ،
أو اختراق رؤية عمر للآفاق آلاف الأميال والتي عرفت قصة " سارية " المشهورة عند أهل السنة ، أو قولهم " لو كان نبي بعدي لكان عمر " أو قولهم بأن الملائكة تستحي من عثمان وإلى غير ذلك الكثير الكثير من الحكايات التي يتقبلها غالبيتهم كما هي وبالرغم من وجود العلل الكثيرة فيها ، وأما ما يعتقده غيرهم فيستنكرونه جملة وتفصيلا وينفونه دون أي تأمل أو بحث .
وأنا متأكد بأنه لو وجدت عقيدة غيبة الإمام المنتظر عند أهل السنة لما أحاطوها بأية شبهة أو تساؤل ! وفي هذا المقام تحضرني عدة طرائف صادفتني خلال حديثي مع بعض الأخوة ، فأحدهم وفي سياق استنكاره لزواج المتعة الذي يعتقد الشيعة بجوازه لم يكن يعلم بأن الرق لم يحرم في الإسلام ، بل كان يطعن في ذلك لعدم انسجام ذلك مع عقله ،
وعندما بينت له أن أهل السنة جميعا يقولون بعدم حرمته فإنه سلم بذلك على الفور ، وأما نكاح المتعة وبالرغم من رؤيته لما يؤيد عدم تحريمها من صحيح البخاري فإنه أصر على عدم الاقتناع بها لا لشئ إلا لأن عموم أهل السنة يعتقدون بحرمتها ! ؟ ! والأطرف من ذلك أنني
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 141
كنت أقول لآخرين أثناء دفاعي عما اهتديت إليه من إتباع لصراط أهل البيت أن الشيعة يعتقدون بنسيان الرسول ( ص ) لبعض آيات القرآن أو تمكن أحد اليهود من سحره أو قصة موسى مع ملك الموت وغير ذلك فإنهم كانوا يستنكرون ويسخرون من هذه الاعتقادات ،
وعندما بينت لهم بأن هذا بعض ما يشنع به الشيعة على أهل السنة والمثبت في أصح كتب الحديث عندهم كصحيح البخاري مثلا ، فإن بعضهم كان ينقلب ليدافع عنها ويحاول أن يجد مبررا لها ويصر على عدم التنازل عنها وكأنها أصل من أصول الاعتقاد .
وما ذاك إلا ما يسمى بالتعصب المذهبي الأعمى الذي لن يجدي بمواجهة الحقيقة لأن إغماض العين عنها لا يعني انتفاء وجودها ، وإن مثل هؤلاء كمثل النعامة التي تعرفون .
وخلافا لما يتصوره البعض ، فإن الإمام المنتظر وبالرغم من اعتقاد جميع الفرق الإسلامية بظهوره في آخر الزمان فإنه سيختلف عليه حين ظهوره وسيكون موضع امتحان كبير للمسلمين كافة ، بل ولأصحاب جميع الرسالات السماوية فاليهود والنصارى أيضا يعتقدون بقدوم المنقذ الموعود .
وقد أخبرت الروايات أن المسلمين سيفتنون بالدجال الذي سيحارب المهدي حتى أن كثيرا منهم سيقاتل في صفه والذي تصفه بعض الروايات بالأعور ألدجال .
والحقيقة كما أراها أبعد مما يعتقده بعض أهل السنة بأنه سيكون مكتوبا على جبين الدجال كلمة " كافر " ، حيث أنه من المستبعد أن يفتن به أحد من المسلمين ما دام بإمكانه قراءة تلك الكلمة التي تدل على حقيقته ، وأما زعم بعضهم بأن المؤمن فقط هو الذي سيتمكن من قراءة تلك الكلمة على جبينه ،
فهذا أيضا مرفوض لأنه يعني بأن الامتحان يكون قد حسمت نتيجته قبل رؤية الدجال ، ولا يوجد أي معنى في هذه الحالة للفتنة التي أخبرت عنها الروايات ، ونفس الأمر ينطبق بالنسبة لادعائهم بأنه سيكون أعور العين . ولهذا السبب فقد كنت سابقا أتعجب كيف يمكن للمسلمين عدم مبايعة
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 142
المهدي عند ظهوره بل ومحاربته بالرغم من انتظارهم لظهوره ويقينهم بأن الله ناصره ! ؟ ؟
إلا أنه وبعد بحثي لمسألة الخلاف بين أهل السنة والشيعة وعلمت ما لهذا الرجل من علاقة وثيقة بما يعتقده الشيعة وخصوصا قولهم بأنه إمامهم الثاني عشر ، فقد بدت لي هذه الفتنة بصورة أكثر جلاء من قبل . فعندما يظهر الإمام المنتظر على حسب مواصفات الشيعة ،
فإنهم سيبايعونه في الوقت الذي سيقول فيه المتعصبون من أهل السنة على الفور بأن هذا المهدي هو شيعي وليس الذي ننتظره والذي سيكون سنيا بلا شك ! ونستطيع أن نلمس آثار هذه الفتنة في حياتنا المعاصرة من خلال التشنيع والطعن الذي قام به المتعصبون من أهل السنة ضد الثورة الإسلامية في إيران ومفجرها ،
أو غض نظرهم عنه في أغلب الأحيان لا لشئ إلا لأنه " شيعي " ، ودون علم منهم غالبا بحقيقة باعثي هذه الفتنة ومؤججي نارها من أبناء جلدتنا والذين سخرهم أعداء الأمة لهذا الغرض الخبيث ، وذلك بالرغم من أن الرسول ( ص ) قد بشر بهذه الصحوة المباركة وباعثيها في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه بالسند إلى أبي هريرة الذي قال : كنا جلوسا عند
النبي ( ص ) فأنزلت عليه سورة الجمعة - ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قال : قلت : من هم يا رسول الله ؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا وفينا سلمان الفارسي ، وضع رسول الله ( ص ) يده على سلمان ثم قال : لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء " ( 1 ) .
وقد أشار الله تعالى أيضا في كتابه العزيز إلى هؤلاء القوم بقوله : ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله * فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم )
فعن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) عندما تلا هذه الآية سألوه : يا
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 6 ص 390 كتاب التفسير باب - وآخرين منهم لما يحلقوا بهم - ، صحيح مسلم ج 5 ص 408 كتاب الفضائل باب فضل أهل فارس ط دار الشعب بشرح النووي . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 143
رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا ، فضرب على فخذ سلمان ثم قال : " هذا وقومه ، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس " ( 1 )
وقد نبه الرسول ( ص ) كذلك إلى الفئة التي ستأخذ على عاتقها خلق الفتن بين المسلمين في زماننا ، فعن ابن عمر قال : " ذكر النبي ( ص ) : اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا . قالوا : وفي نجدنا ؟ قال : اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا ، قالوا : يا رسول الله ، وفي نجدنا ؟ فأظنه قال في الثالثة : هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان " ( 2 ) .
وهذه الفئة المقصودة في هذا الحديث لم أر لها تفسيرا إلا بالطائفة الوهابية والتي ولد مبتدعها محمد بن عبد الوهاب في إحدى قرى نجد تسمى " العيينة " ، هذه الطائفة والتي تحت غطاء التوحيد الذي جعلت منه واجهة لمقاصدها الخبيثة في رمي غيرها من الطوائف لا سيما - أتباع أهل البيت عليهم السلام بالكفر والشرك ، فعلى سبيل المثال فإنهم يعتبرون التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين شركا عظيما بالرغم من وجود ما يناقض ذلك في صحيح البخاري وفيما فعله الخليفة عمر ( رض ) .
فعن أنس : " إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ، فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، قال : فيسقون " ( 3 ) .
وأما سبب تركيز الوهابية على هذا الجانب ، فهو لأن أتباع أهل البيت عليهم السلام عرف عنهم أكثر من غيرهم بتمسكهم واحترامهم لقدسية شخص النبي الكريم ( ص ) والأئمة المعصومين من بعده لأنهم يرون عظم منزلتهم عند الله تعالى ، والذين لولاهم لما اهتدى بشر إلى صراط الله المستقيم ولبقي البشر على غيهم وضلالهم .
* ( هامش ) *
( 1 ) تفسير ابن كثير والقرطبي والطبري والدر المنثور .
( 2 ) صحيح البخاري ج 9 ص 166 كتاب الفتن باب الفتنة من قبل المشرق .
( 3 ) صحيح البخاري ج 2 ص 66 كتاب الاستسقاء . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 144
ويكفي في الرد على الوهابية ومبتدعها ما أخرجه البخاري في صحيحه أن الرسول ( ص ) قال : " يخرج ناس من قبل المشرق ، ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه . قيل : ما سيماهم ؟ قال : سيماهم التحليق ، أو قال : التسبيد " ( 1 ) .
ومعنى التسبيد هو كما جاء في الحديث الشريف " قدم ابن عباس - مسبدا - رأسه " أي حالقا شعر رأسه ( 2 ) ، وهذه الصفة اشتهر بها الوهابيون كما عرف ذلك من تاريخهم " ( 3 ) .
والمهدي عليه السلام سيأتي لنصرة المستضعفين في الأرض على قوى الاستكبار كلها ، فماذا تتوقعون من أعدائه ؟ أو ليس أنهم سيحاولون تسخير المنافقين من المسلمين ووعاظ السلاطين وأئمة الضلال لمحاربة هذا القادم الجديد ؟ أو لم تروا في
أيامنا هذه كيف استطاع حاكم العراق الذي اشتهر بفسقه وكفر طريقته بأن يغرر بملايين المسلمين الذين خرجوا يهتفون باسمه ، عندما تظاهر بالإيمان والاعتماد على الله وإعلان الجهاد ضد الكفار والمشركين حتى اعتقد كثيرا من البسطاء بأن هذا
الدجال أصبح إمام المسلمين حقا ! وفي ذلك ما يكفي للإشارة إلى ما سيكون عليه حال المسلمين وقت تعرضهم لحوادث أكبر وأشد ، وقد بين المصطفى ( ص ) ما يجب على المسلمين عمله لضمان النجاة من الغرق في مستنقع هذه الفتن بعد رحيله بالتمسك بكتابه والعترة الطاهرة من أهل بيته - كما مر شرحه في الفصل الأول - .
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 9 ص 489 كتاب التوحيد باب قراءة الفاجر والمنافق .
( 2 ) مختار الصحاح للشيخ الإمام محمد بن أبي بكر الرازي ص 282 ط دار التراث العربي للطباعة والنشر .
( 3 ) فتنة الوهابية ص 77 ط استنبول 1978 م . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 145
فعن حذيفة بن اليمان قال : " كان الناس يسألون رسول الله ( ص ) عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت : يا رسول الله . إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : نعم ،
قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم ، وفيه دخن ، قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر . قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم . دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها .
قلت : يا رسول الله صفهم لنا ، قال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا . قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم . قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ، قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " ( 1 ) .
والحديث هذا يبين بكل وضوح وجوب الالتزام بجماعة المسلمين وإمامهم ، وإنه في حال الالتباس في الأمر وعدم إمكانية معرفة الحقيقة ، فإن التوجيه النبوي يأمرنا " بالسكوت " ، ويبين الحديث أيضا أن " الدعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها " ليسوا من العجم وإنما من جلدة العرب الأمر الذي يؤكد ما جاء في الأحاديث السابقة بشأن الطائفة المبتدعة .
والحقيقة أن هذه الفتنة التي نمر بها وقد حذرنا الرسول ( ص ) من مغبة الوقوع في حبائلها ، فإنه يلزمنا أن نكون في أشد حالات الحيطة والحذر باختيارنا للطريق الذي يوصلنا بأمان إلى سنة المصطفى ( ص ) ، وخصوصا مع وجود الطرق
المتعددة والتي يصل عددها إلى ثلاث وسبعين - كما في بعض الروايات - وكل من هذه الطوائف تزعم أنها الحق ، إلا أن الرسول ( ص ) بين لنا أن واحدة منها فقط هي الناجية وما دونها فهي دون ذلك .
وقد وعد الله بنصر هذه الطائفة الناجية بقوله : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حق يأتي أمر الله " والمسلم بات في أيامنا حائرا ومستغربا لكل ما يجري حوله من هذه الضجة الكبرى والفتنة العظمى وهو يرى نفسه مطالبا بإعادة النظر بإسلامه
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 9 ص 159 كتاب الفتن باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 146
وبكثير من الحوادث الهامة في تأريخنا الإسلامي ، مما يعتبر مصداقا لقول الرسول ( ص ) : " بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ . . . " .
ولا شك أن من يمعن النظر في تأريخنا الإسلامي وإلى يومنا هذا ، ويتأمل بالذي حل بأهل البيت لسيما الأئمة منهم من مصائب ومحن واستضعاف ، ويفكر بسبب ضياع الحقيقة بين أهل السنة فإنه سيدرك معنى عودة الإسلام ( الغريبة ) والتي
على ما يبدو قد بدأت فعلا في السنوات الأخيرة وقد انقشع جزءا من الظلمة التي خيمها الظالمون على اتباع هذا الطريق على مر العصور ومصداقا لما نطق به المصطفى الهادي ( ص ) : " إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وإن أهل
بيتي سيلقون بعدي أثرة وشدة وتطريدا في البلاد حتى يأتي قوم من ههنا - وأشار بيده نحو المشرق - أصحاب رايات سود فيسألون الحق فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون ويعطون ما شاؤوا ، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي ، فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما ، فمن أدرك ذلك فليأتهم ولو حبوا على الثلج " ( 1 ) .
اللهم عجل فرجه الشريف واجعلنا من السائرين تحت لوائه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
* ( هامش ) *
تتفق جميع الفرق الإسلامية على ظهور رجل في آخر الزمان يملأ الدنيا بالقسط والعدل ، ويقيم دولة الحق لتشمل جميع أرجاء المعمورة مصداقا لقوله تعالى : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) ( 1 )
وقوله تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) ( 2 )
وكذلك : ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون . . . ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ( 3 ) .
وقد بين المصطفى ( ص ) أن هذا الرجل المنتظر هو من أهل بيته بقوله : " لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي " ( 4 ) .
وعن أبي سعيد الخدري ، قال الرسول ( ص ) : " لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطا
* ( هامش ) *
( 1 ) الأنبياء : 105 .
( 2 ) القصص : 5 .
( 3 ) التوبة : 32 - 33 .
( 4 ) صحيح الترمذي ج 9 ص 74 ، أبو داوود ج 2 ص 7 ، مسند أحمد ج 1 ص 376 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 136
وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا " ( 1 ) .
وعن أبي هريرة ، قال الرسول ( ص ) : " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوله الله عز وجل حتى يملك رجل من أهل بيتي ، يملك جبل الديلم والقسطنطينية ) ( 2 ) .
وعن أم سلمة ، قال الرسول ( ص ) : " المهدي من عترتي من ولد فاطمة " . وقد أخبر الرسول ( ص ) أن عيسى عليه السلام الذي سيظهر في آخر الزمان أيضا سيصلي وراء المهدي ،
فعن أبي هريرة ، قال الرسول ( ص ) : " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " ( 3 ) .
وقال الحافظ في شرح صحيح البخاري : " تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى بن مريم سينزل ويصلي خلفه " ( 4 ) .
وقد أصدر المجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي الفتوى التالية بشأن المهدي المنتظر والمؤرخة في 31 أيار 1976 : " المهدي عليه السلام هو محمد بن عبد الله الحسني العلوي الفاطمي المهدي الموعود المنتظر ، موعد خروجه في آخر الزمان
، وهو من علامات الساعة الكبرى يخرج من المغرب ويبايع له في الحجاز في مكة المكرمة بين الركن والمقام بين باب الكعبة المشرفة والحجر الأسود الملتزم . ويظهر عند فساد الزمان وانتشار الكفر وظلم الناس ويملأ
* ( هامش ) *
( 1 ) مستدرك الصحيحين ج 4 ص 557 ، مسند أحمد ج 3 ص 36 .
( 2 ) صحيح ابن ماجة باب الجهاد .
( 3 ) صحيح مسلم ج 1 ص 373 باب نزول عيسى بن مريم ط دار الشعب .
( 4 ) فتح الباري ج 5 ص 362 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 137
الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما ، يحكم العالم كله ويخضع له الرقاب بالإقناع تارة وبالحرب أخرى . وسيملك الأرض سبع سنين وينزل عيسى عليه السلام من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله بباب لد بأرض فلسطين .
وهو آخر الخلفاء الراشدين الاثني عشر الذين أخبر عنهم النبي ( ص ) في الصحاح . . . وإن الاعتقاد بخروج المهدي واجب وإنه من عقائد أهل السنة والجماعة ولا ينكره إلا جاهل بالسنة ومبتدع في العقيدة " ( 1 )
وهكذا فإن أهل السنة يتفقون مع الشيعة بأن الإمام المهدي هو آخر الخلفاء الاثني عشر الذين بشر بهم الرسول ( ص ) في أحاديث كثيرة ، ويتفق الفريقان كذلك حول معظم النقاط الأخرى المتعلقة بالإمام المنتظر .
وأما أهم الاختلافات بينهما بشأنه فهي : الأول : يعتقد معظم أهل السنة أن الإمام المهدي عليه السلام سيولد في آخر الزمان بينما يعتقد الشيعة بأنه ولد في عام 255 ه لأبيه الإمام الحسن العسكري وهو حادي عشر أئمة أهل البيت ، ولكن الله تعالى غيبه عن العيون لحكمة رآها ، ولا يزال حيا وسيظهره في آخر الزمان .
الثاني : يعتقد أهل السنة كما في الفتوى أعلاه أن المهدي هو ومن ولد الحسن عليه السلام وأن اسم أبيه هو عبد الله استنادا إلى رواية عندهم " . . يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي " بينما يعتقد الشيعة أن المهدي ينحدر نسله من الإمام الحسين عليه السلام وقد ولد لأبيه الحسن العسكري ، وأن الرواية الأخيرة
* ( هامش ) *
( 1 ) مؤامرة المتاجرين بالدين : ص 29 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 138
هذه يروونها : " . . . يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم ابني " إشارة إلى حفيد الرسول ( ص ) الحسن السبط عليه السلام . وحاول بعض الكتاب من أهل السنة التشنيع والطعن في الشيعة لاعتقادهم بولادة الإمام المنتظر وتسلمه مقاليد الإمامة وعنده من العمر 5 سنوات .
ويرجع هذا التشنيع في المقام الأول إلى التعصب لما هم عليه من اعتقاد ، فكل ما يخالف اعتقادهم أو ما ألفوه أو ورثوه فإنهم يحكمون في الحال ببطلانه دون النظر إلى ما احتج به غيرهم . وردا على ذلك نقول :
أولا : إن هناك كثير من علماء أهل السنة يعتقدون بأن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري وأنه لا يزال حيا حتى يظهره الله موافقين بذلك ما يقوله الشيعة الإمامية الاثني عشرية .
ومن هؤلاء العلماء :
1 - محي الدين بن العربي في فتوحاته المكية .
2 - سبط بن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص .
3 - عبد الوهاب الشعراني في كتابه عقائد الأكابر .
4 - ابن الخشاب في كتابه تواريخ مواليد الأئمة ووفياتهم .
5 - محمد البخاري الحنفي في كتابه فصل الخطاب .
6 - أحمد بن إبراهيم البلاذري في كتابه الحديث المتسلسل .
7 - ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة .
8 - العارف عبد الرحمن في كتابه مرآة الأسرار .
9 - كمال الدين بن طلحة في كتابه مطالب السؤول في مناقب الرسول .
10 - القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة . وغيرهم ( 1 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخذت هذه المصادر من كتاب " لأكون مع الصادقين " للعلامة الدكتور محمد التيجاني ص 196 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 139
ثانيا : لا يوجد أي دليل شرعي يثبت عكس ذلك ، وغيبة الإمام المنتظر لها ما يشابهها الكثير من المعجزات التي أخبر بها القرآن الكريم ، فنوح عليه السلام لبث في قومه 950 سنة يدعوهم ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ) ( 1 ) وقد عاش
بالطبع أطول من ذلك ، ولبث أهل الكهف 309 سنوات وهم نائمون ، ورفع الله تعالى عيسى عليه السلام إليه ونجاه من القتل وسيعيده إلى الدنيا في آخر الزمان أيضا ، والخضر عليه السلام لا يزال حيا غائبا عن العيون .
وأما بالنسبة لصغر سن المهدي عليه السلام عند تسلمه الإمامة بعد وفاة أبيه الحسن العسكري حادي عشر أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فإن هناك معجزات تماثلها بل وأكبر منها ، فقد جعل الله عيسى بن مريم عليه السلام نبيا وهو في المهد رضيعا : ( فأشارت إليه * قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ) ( 2 ) ،
وأعطى الله تعالى كذلك الحكم ليحيى عليه السلام وهو صبيا ( يا يحيي خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا ) ( 3 ) .
وإذا قيل بأن هذه المعجزات كانت للأنبياء ، فنقول بأنه ليس هناك أي دليل شرعي يشير إلى توقف المعجزات بعد وفاة النبي ( ص ) ، والمعجزات ليست للأنبياء فقط ، فأهل الكهف لم يكونوا أنبياء ، وحتى سيد الشياطين " إبليس " فإن الله قد أمد في عمره حق قيام الساعة .
ومن ناحية أخرى ، فإن الذين يعترضون على الاعتقاد بغيبة الإمام المنتظر فهو راجع أيضا لجهلهم بمقامه وحقيقته فالمهدي عليه السلام سيكون إماما لعيسى عليه السلام الذي جعله الله نبيا وهو في المهد رضيعا ، وهكذا فإنه لو علم أهل السنة وتيقنوا بأن الله تعالى هو الذي اختار الأئمة الاثني عشر من أهل البيت ليكونوا خلفاء
* ( هامش ) *
( 1 ) العنكبوت : 14 .
( 2 ) مريم : 29 - 30 .
( 3 ) مريم : 12 . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 140
للرسول ( ص ) وحفظة للرسالة المحمدية ، فإن استغرابهم بما أحاطه الله من عناية بخاتم هؤلاء الأئمة - حتى يظهره ويتم على يده نصر الحق المبين وإظهاره على الدين كله - سيزول ولن يكون له أي مبرر .
فأغلبية أهل السنة لا يستغربون لما أخذوه من طريقهم أو من كل ما ينسجم مع مذهبهم بل يضعونه محل القبول والتسليم ، وهذا ليس فقط بشأن تلك المعجزات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم والتي لا يستطيع أحد بالطبع أن يثير أي شبهة حولها ، وإنما يشمل هذا الاعتبار ما أخذوه من روايات صحيحي البخاري ومسلم ،
فكما يروون - مثلا بنزول الله إلى السماء الدنيا آخر الليل وكشفه عن ساقه ووضع قدمه في جهنم يوم القيامة ( والعياذ بالله ) ، أو احتمال سهو النبي ووقوعه تحت تأثير السحر ونسيانه للقرآن أو فقأ موسى عليه السلام لعين ملك الموت ، ورجحان إيمان أبو بكر على إيمان الأمة بكاملها ،
أو اختراق رؤية عمر للآفاق آلاف الأميال والتي عرفت قصة " سارية " المشهورة عند أهل السنة ، أو قولهم " لو كان نبي بعدي لكان عمر " أو قولهم بأن الملائكة تستحي من عثمان وإلى غير ذلك الكثير الكثير من الحكايات التي يتقبلها غالبيتهم كما هي وبالرغم من وجود العلل الكثيرة فيها ، وأما ما يعتقده غيرهم فيستنكرونه جملة وتفصيلا وينفونه دون أي تأمل أو بحث .
وأنا متأكد بأنه لو وجدت عقيدة غيبة الإمام المنتظر عند أهل السنة لما أحاطوها بأية شبهة أو تساؤل ! وفي هذا المقام تحضرني عدة طرائف صادفتني خلال حديثي مع بعض الأخوة ، فأحدهم وفي سياق استنكاره لزواج المتعة الذي يعتقد الشيعة بجوازه لم يكن يعلم بأن الرق لم يحرم في الإسلام ، بل كان يطعن في ذلك لعدم انسجام ذلك مع عقله ،
وعندما بينت له أن أهل السنة جميعا يقولون بعدم حرمته فإنه سلم بذلك على الفور ، وأما نكاح المتعة وبالرغم من رؤيته لما يؤيد عدم تحريمها من صحيح البخاري فإنه أصر على عدم الاقتناع بها لا لشئ إلا لأن عموم أهل السنة يعتقدون بحرمتها ! ؟ ! والأطرف من ذلك أنني
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 141
كنت أقول لآخرين أثناء دفاعي عما اهتديت إليه من إتباع لصراط أهل البيت أن الشيعة يعتقدون بنسيان الرسول ( ص ) لبعض آيات القرآن أو تمكن أحد اليهود من سحره أو قصة موسى مع ملك الموت وغير ذلك فإنهم كانوا يستنكرون ويسخرون من هذه الاعتقادات ،
وعندما بينت لهم بأن هذا بعض ما يشنع به الشيعة على أهل السنة والمثبت في أصح كتب الحديث عندهم كصحيح البخاري مثلا ، فإن بعضهم كان ينقلب ليدافع عنها ويحاول أن يجد مبررا لها ويصر على عدم التنازل عنها وكأنها أصل من أصول الاعتقاد .
وما ذاك إلا ما يسمى بالتعصب المذهبي الأعمى الذي لن يجدي بمواجهة الحقيقة لأن إغماض العين عنها لا يعني انتفاء وجودها ، وإن مثل هؤلاء كمثل النعامة التي تعرفون .
وخلافا لما يتصوره البعض ، فإن الإمام المنتظر وبالرغم من اعتقاد جميع الفرق الإسلامية بظهوره في آخر الزمان فإنه سيختلف عليه حين ظهوره وسيكون موضع امتحان كبير للمسلمين كافة ، بل ولأصحاب جميع الرسالات السماوية فاليهود والنصارى أيضا يعتقدون بقدوم المنقذ الموعود .
وقد أخبرت الروايات أن المسلمين سيفتنون بالدجال الذي سيحارب المهدي حتى أن كثيرا منهم سيقاتل في صفه والذي تصفه بعض الروايات بالأعور ألدجال .
والحقيقة كما أراها أبعد مما يعتقده بعض أهل السنة بأنه سيكون مكتوبا على جبين الدجال كلمة " كافر " ، حيث أنه من المستبعد أن يفتن به أحد من المسلمين ما دام بإمكانه قراءة تلك الكلمة التي تدل على حقيقته ، وأما زعم بعضهم بأن المؤمن فقط هو الذي سيتمكن من قراءة تلك الكلمة على جبينه ،
فهذا أيضا مرفوض لأنه يعني بأن الامتحان يكون قد حسمت نتيجته قبل رؤية الدجال ، ولا يوجد أي معنى في هذه الحالة للفتنة التي أخبرت عنها الروايات ، ونفس الأمر ينطبق بالنسبة لادعائهم بأنه سيكون أعور العين . ولهذا السبب فقد كنت سابقا أتعجب كيف يمكن للمسلمين عدم مبايعة
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 142
المهدي عند ظهوره بل ومحاربته بالرغم من انتظارهم لظهوره ويقينهم بأن الله ناصره ! ؟ ؟
إلا أنه وبعد بحثي لمسألة الخلاف بين أهل السنة والشيعة وعلمت ما لهذا الرجل من علاقة وثيقة بما يعتقده الشيعة وخصوصا قولهم بأنه إمامهم الثاني عشر ، فقد بدت لي هذه الفتنة بصورة أكثر جلاء من قبل . فعندما يظهر الإمام المنتظر على حسب مواصفات الشيعة ،
فإنهم سيبايعونه في الوقت الذي سيقول فيه المتعصبون من أهل السنة على الفور بأن هذا المهدي هو شيعي وليس الذي ننتظره والذي سيكون سنيا بلا شك ! ونستطيع أن نلمس آثار هذه الفتنة في حياتنا المعاصرة من خلال التشنيع والطعن الذي قام به المتعصبون من أهل السنة ضد الثورة الإسلامية في إيران ومفجرها ،
أو غض نظرهم عنه في أغلب الأحيان لا لشئ إلا لأنه " شيعي " ، ودون علم منهم غالبا بحقيقة باعثي هذه الفتنة ومؤججي نارها من أبناء جلدتنا والذين سخرهم أعداء الأمة لهذا الغرض الخبيث ، وذلك بالرغم من أن الرسول ( ص ) قد بشر بهذه الصحوة المباركة وباعثيها في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه بالسند إلى أبي هريرة الذي قال : كنا جلوسا عند
النبي ( ص ) فأنزلت عليه سورة الجمعة - ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قال : قلت : من هم يا رسول الله ؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا وفينا سلمان الفارسي ، وضع رسول الله ( ص ) يده على سلمان ثم قال : لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء " ( 1 ) .
وقد أشار الله تعالى أيضا في كتابه العزيز إلى هؤلاء القوم بقوله : ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله * فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم )
فعن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) عندما تلا هذه الآية سألوه : يا
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 6 ص 390 كتاب التفسير باب - وآخرين منهم لما يحلقوا بهم - ، صحيح مسلم ج 5 ص 408 كتاب الفضائل باب فضل أهل فارس ط دار الشعب بشرح النووي . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 143
رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا ، فضرب على فخذ سلمان ثم قال : " هذا وقومه ، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس " ( 1 )
وقد نبه الرسول ( ص ) كذلك إلى الفئة التي ستأخذ على عاتقها خلق الفتن بين المسلمين في زماننا ، فعن ابن عمر قال : " ذكر النبي ( ص ) : اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا . قالوا : وفي نجدنا ؟ قال : اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا ، قالوا : يا رسول الله ، وفي نجدنا ؟ فأظنه قال في الثالثة : هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان " ( 2 ) .
وهذه الفئة المقصودة في هذا الحديث لم أر لها تفسيرا إلا بالطائفة الوهابية والتي ولد مبتدعها محمد بن عبد الوهاب في إحدى قرى نجد تسمى " العيينة " ، هذه الطائفة والتي تحت غطاء التوحيد الذي جعلت منه واجهة لمقاصدها الخبيثة في رمي غيرها من الطوائف لا سيما - أتباع أهل البيت عليهم السلام بالكفر والشرك ، فعلى سبيل المثال فإنهم يعتبرون التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين شركا عظيما بالرغم من وجود ما يناقض ذلك في صحيح البخاري وفيما فعله الخليفة عمر ( رض ) .
فعن أنس : " إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ، فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، قال : فيسقون " ( 3 ) .
وأما سبب تركيز الوهابية على هذا الجانب ، فهو لأن أتباع أهل البيت عليهم السلام عرف عنهم أكثر من غيرهم بتمسكهم واحترامهم لقدسية شخص النبي الكريم ( ص ) والأئمة المعصومين من بعده لأنهم يرون عظم منزلتهم عند الله تعالى ، والذين لولاهم لما اهتدى بشر إلى صراط الله المستقيم ولبقي البشر على غيهم وضلالهم .
* ( هامش ) *
( 1 ) تفسير ابن كثير والقرطبي والطبري والدر المنثور .
( 2 ) صحيح البخاري ج 9 ص 166 كتاب الفتن باب الفتنة من قبل المشرق .
( 3 ) صحيح البخاري ج 2 ص 66 كتاب الاستسقاء . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 144
ويكفي في الرد على الوهابية ومبتدعها ما أخرجه البخاري في صحيحه أن الرسول ( ص ) قال : " يخرج ناس من قبل المشرق ، ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه . قيل : ما سيماهم ؟ قال : سيماهم التحليق ، أو قال : التسبيد " ( 1 ) .
ومعنى التسبيد هو كما جاء في الحديث الشريف " قدم ابن عباس - مسبدا - رأسه " أي حالقا شعر رأسه ( 2 ) ، وهذه الصفة اشتهر بها الوهابيون كما عرف ذلك من تاريخهم " ( 3 ) .
والمهدي عليه السلام سيأتي لنصرة المستضعفين في الأرض على قوى الاستكبار كلها ، فماذا تتوقعون من أعدائه ؟ أو ليس أنهم سيحاولون تسخير المنافقين من المسلمين ووعاظ السلاطين وأئمة الضلال لمحاربة هذا القادم الجديد ؟ أو لم تروا في
أيامنا هذه كيف استطاع حاكم العراق الذي اشتهر بفسقه وكفر طريقته بأن يغرر بملايين المسلمين الذين خرجوا يهتفون باسمه ، عندما تظاهر بالإيمان والاعتماد على الله وإعلان الجهاد ضد الكفار والمشركين حتى اعتقد كثيرا من البسطاء بأن هذا
الدجال أصبح إمام المسلمين حقا ! وفي ذلك ما يكفي للإشارة إلى ما سيكون عليه حال المسلمين وقت تعرضهم لحوادث أكبر وأشد ، وقد بين المصطفى ( ص ) ما يجب على المسلمين عمله لضمان النجاة من الغرق في مستنقع هذه الفتن بعد رحيله بالتمسك بكتابه والعترة الطاهرة من أهل بيته - كما مر شرحه في الفصل الأول - .
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 9 ص 489 كتاب التوحيد باب قراءة الفاجر والمنافق .
( 2 ) مختار الصحاح للشيخ الإمام محمد بن أبي بكر الرازي ص 282 ط دار التراث العربي للطباعة والنشر .
( 3 ) فتنة الوهابية ص 77 ط استنبول 1978 م . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 145
فعن حذيفة بن اليمان قال : " كان الناس يسألون رسول الله ( ص ) عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت : يا رسول الله . إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : نعم ،
قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم ، وفيه دخن ، قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر . قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم . دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها .
قلت : يا رسول الله صفهم لنا ، قال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا . قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم . قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ، قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " ( 1 ) .
والحديث هذا يبين بكل وضوح وجوب الالتزام بجماعة المسلمين وإمامهم ، وإنه في حال الالتباس في الأمر وعدم إمكانية معرفة الحقيقة ، فإن التوجيه النبوي يأمرنا " بالسكوت " ، ويبين الحديث أيضا أن " الدعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها " ليسوا من العجم وإنما من جلدة العرب الأمر الذي يؤكد ما جاء في الأحاديث السابقة بشأن الطائفة المبتدعة .
والحقيقة أن هذه الفتنة التي نمر بها وقد حذرنا الرسول ( ص ) من مغبة الوقوع في حبائلها ، فإنه يلزمنا أن نكون في أشد حالات الحيطة والحذر باختيارنا للطريق الذي يوصلنا بأمان إلى سنة المصطفى ( ص ) ، وخصوصا مع وجود الطرق
المتعددة والتي يصل عددها إلى ثلاث وسبعين - كما في بعض الروايات - وكل من هذه الطوائف تزعم أنها الحق ، إلا أن الرسول ( ص ) بين لنا أن واحدة منها فقط هي الناجية وما دونها فهي دون ذلك .
وقد وعد الله بنصر هذه الطائفة الناجية بقوله : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حق يأتي أمر الله " والمسلم بات في أيامنا حائرا ومستغربا لكل ما يجري حوله من هذه الضجة الكبرى والفتنة العظمى وهو يرى نفسه مطالبا بإعادة النظر بإسلامه
* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري ج 9 ص 159 كتاب الفتن باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة . ( * )
حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 146
وبكثير من الحوادث الهامة في تأريخنا الإسلامي ، مما يعتبر مصداقا لقول الرسول ( ص ) : " بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ . . . " .
ولا شك أن من يمعن النظر في تأريخنا الإسلامي وإلى يومنا هذا ، ويتأمل بالذي حل بأهل البيت لسيما الأئمة منهم من مصائب ومحن واستضعاف ، ويفكر بسبب ضياع الحقيقة بين أهل السنة فإنه سيدرك معنى عودة الإسلام ( الغريبة ) والتي
على ما يبدو قد بدأت فعلا في السنوات الأخيرة وقد انقشع جزءا من الظلمة التي خيمها الظالمون على اتباع هذا الطريق على مر العصور ومصداقا لما نطق به المصطفى الهادي ( ص ) : " إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وإن أهل
بيتي سيلقون بعدي أثرة وشدة وتطريدا في البلاد حتى يأتي قوم من ههنا - وأشار بيده نحو المشرق - أصحاب رايات سود فيسألون الحق فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون ويعطون ما شاؤوا ، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي ، فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما ، فمن أدرك ذلك فليأتهم ولو حبوا على الثلج " ( 1 ) .
اللهم عجل فرجه الشريف واجعلنا من السائرين تحت لوائه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
* ( هامش ) *
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)